التعجُّل المعرفي… من آفة في التفكير إلى مكوّن بنيوي للوعي الإنساني

من بين الآفات المعرفية التي تطبع تعامل الإنسان مع العالم، تبرز نزعةٌ للتعجُّل في الوصول إلى النتائج، و التسرُّع في الجزم بكونيّتها، و الممانعة ضد كلّ مطلب يدعوه إلى التريُّث والتمُّهل قبل إصدار الأحكام المعرفية النهائية. هذا السلوك، الذي يبدو للوهلة الأولى مجرّد قصورٍ في المنهج أو ضعفٍ في تدريب العقل على مهارات التفكير، يكشف، عند إخضاعه لقراءة ميتابايولوجية، عن جذورٍ أعمق تمتد إلى بنية الوعي الإنساني ذاتها؛ تلك البنية التي انبثقت عن انعطافة تطورية حوّلت الإنسان من كائنٍ منسجم مع قوانين الطبيعة إلى كائنٍ يعيش صراعًا داخليًا بين عقلٍ قادر على الوعي ونفسٍ ميّالة إلى القفز على المقدمات. فالإنسان يميل وعلى عكس الحيوان، إلى صناعة المعنى قبل استكمال المعطيات. فالإدراك البشري لا يكتفي باستقبال المعلومات، بل يسعى إلى إغلاق دائرة الفهم بسرعة وذلك للتخلّص من أعباء الشك ولتوليد تفسير نهائي يمنحه شعورًا بالسيطرة. هذه الحاجة النفسية المعرفية تجعل الإنسان يقع في خطأ شائع هو اعتبار ما يفهمه في لحظتها حقيقةً كونية مع أنّه ليس سوى بناء أوليّ هشّ لم يتعرض للاختبار. لقد نبّه مفكرو الإبستمولوجيا عبر التاريخ، من بوبر إلى باشلار، إلى أن العقل دون منهج صارم يميل إلى الوثوق الزائد و التحيز التأكيدي والإغلاق المبكر. لكن هذه التنبيهات تكشف جانبًا واحدًا فقط من المشكلة. أما الجانب الأعمق فهو:  لماذا الإنسان، وحده دون سائر الكائنات، مهيّأ لهذا التعجّل؟
تجادل المقاربة الميتابايولوجية بأن التعجّل ليس “خطأ” يمكن محوه بالتدريب، بل هو أثرٌ جانبي للتحويلة التطورية التي أخرجت الإنسان على النظام الطبيعي. هذه التحويلة، التي أفرزت “النفس” بوصفها كيانًا متمرّدًا، غير منضبط بقوانين التطور الطبيعي، أنتجت وعيًا مزدوجًا: وعيًا عقلانيًا قادرًا على التحليل والتجريد والربط، ونزعةً داخلية تبحث عن اختصارات معرفية وتسعى إلى الحسم السريع وتتمرّد على صرامة السببية.
فالإنسان لم يُزوّد، وعلى خلاف الحيوان، بنظام معرفي مغلق يتكفّل بضمان بقائه؛ بل مُنح قدرةً على التفكير مقرونةً بقلق وجودي يدفعه إلى ملء الفراغات سريعًا. وهذا ما يفسّر: القفز إلى النتائج ورفض التأنّي والميل إلى الإطلاقية. إن التعجّل ليس مجرد “عادة”، بل هو استجابة عصبية–نفسية ناتجة عن بنية وعي تحمل آثار “الانفصال عن الطبيعة” الذي يتحدّث عنه المشروع الميتابايولوجي. فوفقاً للمشروع الميتابايولوجي، فإن الإنسان كائن عالق بين طبيعتين: طبيعة بيولوجية تطورت على مهل ونفسٍ ميتابايولوجية نشأت دفعة واحدة عقب التحويلة التطورية، فخلقت فجوة بين القدرات والضوابط. ومن داخل هذه الفجوة يتولد التسرّع المعرفي بوصفه أحد أهم أعراض الاختلال الوظيفي في الدماغ. فالقشرة الدماغية تقدّم قدرة على التفكير البعيد، ولكن النفس تضغط باتجاه قرار سريع يوفّر يقينًا آنيًا حتى لو كان يقينًا زائفًا. وهذه الثنائية؛ القشرة الدماغية مقابل النفس، تظهر في كل المجالات: في الحكم الأخلاقي وذلك باستعجال الاتهام دون بيّنة، وفي البحث العلمي وذلك بالقبول بالنظريات قبل اختبارها، وفي الحياة اليومية وذلك بالخلط بين الانطباع الأول والحقيقة. إن التعجّل، بهذا المعنى، ليس مجرد خلل سلوكي، بل تجلٍّ من تجليات “الإنسان غير المكتمل” الذي تصفه الميتابايولوجيا. فعندما يسارع الإنسان إلى تفسيرٍ ما، فإنه لا يكتفي بإكمال قصة ناقصة، بل يرفع تفسيره إلى مستوى الحقيقة الكونية ويدافع عنه دفاعًا وجوديًا ويُخضع العالم لما “يريده هو” لا لما هو عليه فعلاً. يُظهر هذا السلوك كيف تعمل النفس البشرية؛ حيث تستبدل البحث عن الحقيقة بـالحاجة إلى يقين، وهذه هي المعضلة الكبرى. والميتابايولوجيا تكشف هنا ما عجزت عنه علوم النفس التقليدية، وذلك بتبيينها أن هذا الميل إلى “كوننة” النتائج هو جزء من برنامج ذاتي-ميتافيزيقي نشأ في الإنسان بعد الانعطافة التطورية، أي بعد أن أصبح قادرًا على تخيّل ما ليس موجودًا، وعلى استبدال الواقع بتصوراته الخاصة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “التعجل” لا يمكن القضاء عليه، وذلك لأنه جزء من “البنية الميتابايولوجية” للإنسان، ولكن يمكن ترويضه عبر:
1. إعادة تربية النفس على قبول المساحات المفتوحة بين السؤال والجواب.
2. تعليم العقل الانفصال عن رغبة النفس في الحسم المُتعجل
3. تبنّي منهجية معرفية تقوم على التدرّج، لا القفز.
4. تطوير وعي ميتابايولوجي يفهم جذور التناقض في الإنسان ويعيد ضبط علاقته بالحقيقة.
الميتابايولوجيا هنا ليست فلسفة مجردة، بل إطار علاجي للوعي، لأنها تكشف علة الاضطراب وتبيّن كيف يمكن للإنسان أن يخفّف من وطأة نزعاته التي تتجاوز طاقته المعرفية.
إن التعجّل في الوصول إلى النتائج هو نافذة نطلّ منها على جوهر المأزق الإنساني؛ هذا الجوهر المتمثل بكون الإنسان، بعد التحويلة التطورية، أصبح كائنًا ذا عقلٍ قادر على التعمق ونفسٍ تدفعه إلى “السطحية”، وعقلٍ يطلب البرهان ونفسٍ تطلب اليقين العاجل. وهذا الصراع البنيوي هو ما يجعل الإنسان يخطئ ويعمّم ويجزم ويصنع أوهامه ثم يتعبد لها. وبهذا الكشف تتجلّى قيمة المشروع الميتابايولوجي؛ إذ أنه لا يشرح السلوك الإنساني فقط، بل يكشف “علة الخلل” ويمنح الإنسان فرصة نادرة لفهم ذاته والتخفيف من أعباء هذا الوعي المزدوج الذي يلازمه منذ لحظة خروجه الأولى على الطبيعة.

أضف تعليق