مصاحبةُ المخالف في الرأي بالمعروف بوصفها آلية تصحيح ميتابايولوجية للنفس البشرية

إن تناول البنية الأخلاقية القرآنية لا ينبغي أن يجري بمعزل عن الإطار التفسيري الأوسع الذي تقدمه المقاربة الميتابايولوجية للظاهرة الإنسانية، والتي تفترض أن النفس البشرية لم تنشأ وفق خط تطوري سلس، بل ظهرت بوصفها نتيجة لتحويلة تطورية مفصلية أخرجت الإنسان من النسق الحيواني، ومنحته كينونة نفسية حافلة بالتوترات الداخلية والصراعات الوجدانية التي لا يمكن ردّها إلى آليات الانتقاء الطبيعي وحدها. وفي ضوء هذا الإطار، يصبح العجز الأخلاقي الذي يعاني منه الإنسان، عجزه عن تهذيب نفسه وضبط اندفاعاته وتوجيه مشاعره تجاه المخالف، ليس عرضًا طارئًا، بل خاصية بنيوية للنفس منذ نشأتها الأولى بعد “الحدث الميتابايولوجية”. فالمقاربة الميتابايولوجية تُظهر أن النفس البشرية تتوزع على إرادتين متعارضتين: إرادة متمردة تمثل قابلية النفس للانفلات، للغضب، للتشبث بالموقف، وللتحيز ضد المخالف، وإرادة عليا فطرية تميل إلى العدل والرحمة والتعاطف مع الآخرين. ويفسّر هذا الانقسام الفجوة الأخلاقية بين ما يأمر به الوحي وما تميل إليه النفس تلقائيًا. فالسلوك القاسي تجاه المخالف ليس انحرافًا ثقافيًا فحسب، بل هو تعبير عن ميلٍ تطوري لاحق تَرسّب في النفس بعد التحويلة التطورية، جعلها أكثر حساسية للنزاع وأكثر انقيادًا للهوى. من هذا المنظور يصبح أمر القرآن: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة 83) ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل آلية علاجية لميلٍ بنيوي في النفس نحو الفظاظة والحدّة.
يفترض مشروع الميتابايولوجيا أن الإنسان بعد التحويلة التطورية لم يحصل على جهاز نفسي مكتمل، بل على نفس مضطربة تحتاج إلى “معيار خارجي” يعيد ضبطها. وهنا تتجلى الوظيفة الوجودية للوحي: ليس فقط كمرجع تشريعي، بل كـبنية تصحيحية تُعادِل هذا الخلل البنيوي. فالقرآن عندما يأمر الإنسان بمصاحبة والديه المشركين بالمعروف: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان 15) فإنه لا يعرض قيمة أخلاقية مجردة، بل يقدم تقنية ضبط لسلوك النفس في مواجهة أشد صور الاختلاف.
إن “المعروف” هنا ليس مجرد لطف اجتماعي، بل إعادة معايرة للنفس كي لا تنحرف باتجاه غريزتها التمردية التي تُظهر، وفق التحليل الميتابايولوجي، تفضيلاً للصدام على التفاهم، وميلًا لتضخيم الذات على حساب الآخر.
من منظور ميتابايولوجي، لا يشكّل المخالف خطرًا خارجيًا، بل مرآة تكشف خلل النفس الداخلي. ففي كل اختلاف تظهر حدّة الأنا وقابلية النفس للهيجان وسرعة الانفعال ونزعة التبرير الأخلاقي للعنف اللفظي والوجداني. وهكذا يصبح “المخالف” عاملًا كاشفًا للطبقة البدائية من النفس التي لم تُهذَّب بعد. وبذلك يُفهم لماذا أعطى القرآن أهمية كبرى للقول الحسن والبشاشة وكظم الغيظ. وهذه كلها استراتيجيات ضبط تُعالج مواطن العطب الميتابايولوجي، وليست مجرد فضائل أخلاقية. ولهذا يُصبح قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة” ليس حكمة بلاغية، بل تعليمًا وظيفيًا يعيد تشكيل سلوك النفس على مستوى بنيتها العميقة.
تذهب الميتابايولوجيا إلى أن الإنسان قبل التحويلة كان يعيش على وفق قوانين الفطرة التي تحكم بقية الكائنات في انسجام وتوازن وانقياد لحدود الطبيعة. لكن ظهور النفس التمردية أحدث انفصالًا بين الإنسان وبين فطرته الأصلية. وهنا يأتي  أمر الوحي بالمعروف، خصوصًا تجاه المخالف، لتعمل كـإعادة مواءمة بين الإنسان وبين الفطرة التي لم يعد قادرًا على العودة إليها تلقائيًا. فالمعروف ليس قيمة فوق-إنسانية، بل هو تمثيل عملي للفطرة في عالم فقد فيه الإنسان انسجامه الأول.
إن المقاربة الميتابايولوجية للبنية الأخلاقية القرآنية ترينا ما يلي:
1. مصاحبة المخالف في الرأي بالمعروف ليست مسألة سلوكية، بل نظام تصحيح لنفسٍ مختلّة بنيويًا.
2. القرآن لا يقدّم الأخلاق بوصفها فضائل، بل كآليات إعادة بناء للنفس بعد الانعطافة التطورية.
3. المعروف يعيد ربط الإنسان بالفطرة التي انفصل عنها، وذلك عبر كبح الإرادة التمردية وتفعيل الإرادة العليا.
4. العنف تجاه المخالف ليس دينيًا ولا ثقافيًا، بل هو أثر مباشر للعطب الميتابايولوجي الذي يسكن النفس.
5. الأخلاق القرآنية ليست تعاليم فوقية، بل أدوات لإعادة توازن الإنسان مع ذاته.
وبذلك يصبح مبدأ “صاحِب مخالفك في الرأي في الدنيا بالمعروف” ليس مجرد توصية تربوية، بل حلقة أساسية في البنية الإصلاحية الكبرى التي جاء بها الوحي لمعالجة النفس البشرية بعد التحويلة التطورية.

أضف تعليق