الميتابايولوجيا ومحددات بقاء الداروينية أو زوالها

تمثل الميتابايولوجيا محاولةً فلسفية-بايولوجية للإجابة على الأسئلة التالية: كيف ظهر الوعي؟ وكيف ظهرت النفس التي تعصي قوانين الطبيعة؟ وكيف انحرف الإنسان عن مسار التطور الطبيعي ليخلق تاريخًا مغايرًا تمامًا؟ هذه الأسئلة تقع خارج نطاق الاختصاص الدارويني، ليس لقصور في النظرية، بل لأن أدواتها التجريبية لا تمتد إلى تحليل التحولات الوجودية الكبرى التي لا تفسَّر بآليات تراكمية تدريجية. وهكذا تحدِّد الميتابايولوجيا علاقتها بالداروينية كما يلي: الداروينية تفسّر “كيف كان الإنسان قبل التحويلة التطورية”، بينما تفسّر الميتابايولوجيا “كيف أصبح الإنسان بعد التحويلة التطورية”. هذا الحد الفاصل هو جوهر التقييم. فداخل العالم الحيواني والنباتي، تعمل الداروينية وفق منظومة متماسكة وقابلة للتحقق منها فالانتقاء الطبيعي والطفرات والضغط البيئي والتكيف وبقاء الأكثر ملاءمة، هذه العناصر تشكّل نواة صلبة تسمح بفهم كل ما هو عضوي وغريزي وسلوكي لدى الحيوان والنبات والجانب الحيواني من الإنسان. من هنا تقول الميتابايولوجيا: لا يمكن لأي إطار تفسيري جديد أن يلغِي الداروينية، بل يجب أن يبدأ منها. فالداروينية هي “أرشيف الوجود الحيواني”، والإنسان لم يُخلَق بمعزل عن هذا الأرشيف. لكن المشكلة ليست هنا، ولكن في مكان آخر تمامًا. فكل مظاهر الإنسان التي لا يمكن للبايولوجيا تفسيرها تنتمي إلى ما يسميه المشروع الميتابايولوجي “الشقّ غير الحيواني في الكائن البشري”، مثل: الوعي المتجاوز والأخلاق بوصفها سلطة “فوق-بايولوجية” والقدرة على التضحية بلا مقابل تطوري والقلق الوجودي والإبداع الفني والنزوع إلى الميتافيزيقا والمعنى والقدرة على الإفساد العبثي غير النفعي واللغة الرمزية التجريدية والذات التي تناقض نفسها بنفسها. هذه الظواهر لا مكان لها في السردية الداروينية لأنها:
1. لا تنشأ تدريجيًا
2. لا ترتبط بالانتقاء الطبيعي
3. لا تخدم البقاء بالضرورة
4. وتتناقض في كثير من الأحيان مع المنطق التطوري نفسه.
إن محاولة ردّ هذه الظواهر إلى الحيوان لا تمثل تفسيرًا علميًا بل موقفًا ميتافيزيقيًا مقنّعًا بالعلم. وهنا تظهر النقطة الإبستمولوجية الأساسية؛ فعندما تتحدث الداروينية عن الحيوان فإنها علم، وعندما تتحدث عن الإنسان فهي ميتافيزيقا متنكرة. ولهذا السبب تصبح الميتابايولوجيا ضرورة منهجية وليست خيارًا فكريًا.
إن جوهر المشروع الميتابايولوجي يكمن في فهم تلك اللحظة التي انفصل فيها الإنسان عن الحيوان دون أن ينفصل جسديًا عنه، فجسم الإنسان بقي ابن الطبيعة والدماغ تطوّر بأدوات التطور لكن النفس ظهرت كحدث غير دارويني والوعي بَزَغ كبنية لا يمكن تفسيرها بالآليات الحيوانية. هذه “التحويلة التطورية” هي التي أنتجت: ازدواجية الوعي والصراع بين العقل والهوى وتضخم الذات والحس الأخلاقي والشعور بالمطلق والقدرة على تجاوز الطبيعة والقدرة على مخالفة الطبيعة. وكل هذا لا تفسير دارويني له، لأنه ينتمي إلى نظام مختلف من الوجود. وهنا تضع الميتابايولوجيا حدودًا دقيقة؛ فالداروينية تفسّر مسار الكائن حتى اللحظة التي تحدث فيها “التحويلة”، أما من بعد تلك اللحظة، فالإنسان يدخل في نظام معرفي آخر.
والآن، يحق لنا ان نتساءل: ما الذي يجب الإبقاء عليه من الداروينية ضمن الإطار الميتابايولوجي؟
1. الإبقاء على الداروينية بوصفها علمًا للطبيعة الحيوانية؛ إذ لا بديل عنها داخل هذا الحقل ولا يجوز بالتالي التخلي عنها.
2. تحرير الداروينية من التفسير الكلي الشامل؛ فالإنسان ليس جزءًا من “خط تطور متصل”، بل حالة استثنائية.
3. ضمّ الداروينية إلى المشروع الميتابايولوجي لا بوصفها نقيضًا له، بل بوصفها الركيزة البيولوجية الأساس لما يسبق التحويلة التطورية.
4. ملء الفراغ التفسيري الذي تتركه الداروينية، وذلك بتقديم الميتابايولوجيا لشرح: النفس والوعي والأخلاق والعاطفة واللغة والرمزية والانقسام الداخلي للذات والقدرة على الشر والقدرة على الإبداع.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنّ السؤال الحقيقي هو ليس “هل الداروينية صحيحة أم لا؟” بل “ما الذي تستطيع الداروينية تفسيره، وما الذي تعجز عنه؟”. فعندما نتعامل مع الداروينية داخل حدودها الحيوانية، نكتشف أنّ: قوتها العلمية هائلة وحدودها التفسيرية ضيقة ووظيفتها لا تمتد إلى الإنسان بوصفه كيانًا مفارقًا. وبذلك تصبح الإجابة الميتابايولوجية على هذين السؤالين هي أن الإبقاء على الداروينية ضرورة علمية، لكن تجاوزها ضرورة معرفية وفلسفية. فالإنسان قد تجاوز بُنيته الحيوانية، وهذا التجاوز قد وضع حدوداً معرفية تُحتم على الداروينية الإقرار بمحدوديتها التفسيرية وبأن الوقت قد حان لنتجاوزها الى نظرية جديدة تُبقي على إنجازاتها الحيوانية وتتطرح افتراضاتها الميتافيزيقية. وهذه الفلسفة الجديدة تمثلها الميتابايولوجيا خير تمثيل.

أضف تعليق