ثور البيسون المقتول وسر “قَصعة الغبار” العظمى

تُمثل “قَصعة الغبار” (The Dust Bowl)، التي اجتاحت السهول الكبرى الأمريكية في ثلاثينيات القرن العشرين واحدة من أسوأ الكوارث البيئية والاقتصادية في تاريخ الولايات المتحدة. غالباً ما يُرجع السبب في هذه الظاهرة، حيث تحولت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى غيوم سوداء من الغبار، إلى تضافر الجفاف الشديد مع ممارسات الحراثة الخاطئة التي أزالت الغطاء النباتي الطبيعي.
ومع ذلك، تكشف دراسة معمقة لتاريخ المنطقة عن عامل جوهري سابق وأكثر عمقاً يُشكل الخيط المنسي الذي يربط بين التاريخ العسكري الاستعماري والكارثة البيئية: القتل الممنهج للثور الأمريكي البيسون ((Bison. هذه المقالة تُقارن بين الأسباب المعلنة، وتُحلل كيف أن قتل هذا الحيوان الذي كان مهندساً بيئياً للسهول هيّأ التربة ببطء لتكون “قشة في مهب الريح” بعد عقود.
تستند الرؤية التقليدية لـ “قَصعة الغبار” إلى عاملين رئيسيين:
أولهما الجفاف الكارثي؛ حيث عانت المنطقة من جفاف غير مسبوق في الفترة ما بين 1931 و1939 الأمر الذي نجم عنه نقصٌ حادٌ ومستمر في الأمطار مما أدى إلى موت المحاصيل الزراعية التي كانت تُثبّت التربة.
وثانيهما الحراثة المُدمّرة. ففي خلال الفترة التي سبقت الكارثة (وخاصةً في عشرينيات القرن الماضي)، شجع ارتفاع أسعار القمح المزارعين على قلب ملايين الأفدنة من أراضي البراري البكر. لقد أزالت ممارسات الحراثة العميقة الجذور الطويلة للأعشاب الأصلية، التي كانت تُشكل شبكة طبيعية تُحافظ على تماسك التربة والرطوبة. وعندما ضرب الجفاف وجد سطح التربة، الذي أصبح ناعماً ومفككاً، نفسه مكشوفاً بالكامل لرياح السهول القوية. ولتفسير هشاشة التربة التي بلغت ذروتها في ثلاثينيات القرن العشرين، يجب العودة خمسة وسبعين عاماً إلى الوراء، إلى الحملة الشرسة والمنظمة للقضاء على البيسون الأمريكي:

1. الإبادة كاستراتيجية عسكرية: كانت الحملة ضد البيسون، التي بدأت شبه عسكرية ثم أصبحت عسكرية بالكامل، تهدف بشكل أساسي إلى القضاء على المصدر الغذائي والثقافي الرئيس لشعوب أمريكا الأصليين. تم ذبح عشرات الملايين من حيوانات البيسون ليس فقط للحصول على الجلود، بل لتجريد القبائل من وسيلة عيشهم وإجبارهم على التخلي عن أراضيهم.
2. البيسون ودورته في إدامة العشب طويل الجذر: هنا يكمن المفتاح البيئي؛ فالبيسون لم يكن مجرد حيوان يرعى، بل كان مهندساً بيئياً أساسياً للسهول.
. الرعي الانتقائي: كانت طريقة رعي قطعان البيسون الضخمة، التي تستهلك العشب في منطقة ثم تنتقل لفترة طويلة، تسمح للأعشاب طويلة الجذور بالنمو والتعافي.
. التخصيب والدوس (Hoof Action) :كانت حوافر البيسون تُساعد على دمج البذور وتفتيت الطبقة السطحية من التربة، بينما كانت فضلاته تُغذي التربة وتُخصبها. هذا التفاعل المستمر بين الحيوانات والأعشاب كان العامل الأساسي والمباشر في إدامة الغطاء العشبي طويل الجذر الذي يثبّت التربة ضد عوامل التعرية.

3. التجريد البطيء لشبكة الأمان البيئية: أدى القضاء على البيسون في أواخر القرن التاسع عشر إلى انهيار نظام الرعي الصحي حيث اختفت دورة الرعي والدوس والتسميد الطبيعي، وحدث اضطراب في الأنواع النباتية؛ حيث بدأ توازن الأعشاب يتغير، وتراجعت قدرة السهول على مقاومة الجفاف بطريقة طبيعية.
وعندما جاء المزارعون الجدد في أوائل القرن العشرين وقاموا بالحراثة العميقة، لم يكونوا يزيلون مجرد أعشاب؛ بل كانوا يزيلون بقايا شبكة أمان بيئية كانت قد ضعفت وهُشّمت بالفعل على مدى عقود بسبب غياب البيسون. بعد سبعين عاماً من هذه الإبادة الجماعية، كانت التربة قد فقدت مرونتها وتماسكها بشكل تدريجي، لتصبح هشة وعرضة للتعرية بشكل لم تكن لتصبح عليه لو بقيت ملايين رؤوس البيسون ترعى وتُخصب السهول.
تُظهر أزمة “قَصعة الغبار” أنها لم تكن مجرد نتيجة لسوء حظ بيئي أو حراثة خاطئة قصيرة المدى، بل كانت حصاداً تاريخياً مدفوعاً بالسياسات. إن العامل الرئيس في تلك الكارثة، كما تشير إليه هذه المقالة، كان يكمن في إزالة مهندس السهول البيئي، ثور البيسون. فلقد أدت عملية إزالة البيسون، التي كانت تهدف في المقام الأول إلى تفكيك المجتمعات الأصلية، إلى إزالة الحارس الطبيعي للتربة. وعندما اجتمع هذا الضعف البيئي الكامن مع الجفاف والحراثة غير المستدامة في الثلاثينيات تحولت التربة الهشة إلى “قشة في مهب الريح”. إن فهم “قصعة الغبار” يتطلب منا أن ندرك أن الكوارث البيئية الكبرى غالباً ما تكون نتيجة لتأثيرات متراكمة وطويلة الأمد للتدخل البشري في الأنظمة البيئية المعقدة؛ حيث يصبح التاريخ الاجتماعي والسياسي، في نهاية المطاف، جزءاً لا يتجزأ من التاريخ البيئي.

أضف تعليق