في معنى قَولِ الله تعالى “ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ”

ما العلةُ من وراء كونِ عالَمِ الإنسان على هذا القدر من انعدامِ التناغم الوجودي بين مفرداته على امتدادِ المكانِ والزمان بالمقارنةِ مع ما يتميز به عالَمُ الطبيعة من “اتساقٍ مكاني” عابرٍ للأزمان؟ ولماذا لا يأخذُ الإنسانُ بنظر الاعتبار الحقيقةَ التي مفادها أنَّ لبعضِ أفعالِه تأثيراتٍ تتجاوز مكانَ وزمانَ حدوثِها؟ ولماذا يأبى الإنسانُ أن يُقِرَّ بأنَّ عقلَه محدودُ القدرات والقابليات والإمكانيات، وأنه يتعذر عليه بالتالي أن يأخذَ بالحسبان ما لم يُقدَّر له أن يحيطَ به من عوامل ومتغيرات لو أنه أحاطَ بها لما أقدمَ على فِعلِ الكثير مما خُيِّلَ إليه حينها أنَّ المنطقَ يقتضيه؟ وهل سندرك يوماً أنَّ أحفادَنا سيتعينُ عليهم أن يعانوا من أفعالِنا كما نعاني اليوم من أفعالِ أجدادِنا؟ وهل من سبيلٍ للخروجِ من هذا “المأزق المعرفي” حتى لا نكررَ أخطاءَ أجدادِنا فلا يضطرُّ أحفادُنا لأن يعانوا الأمرَّين جراء ما اقترفته أيدينا؟
أسئلةٌ يتكفل بالإجابةِ عليها إدراكُنا بأنَّنا بشرٌ ضعفاء، وبأننا لسنا آلهةً حتى نحيطَ علماً بكلِّ شيء، وبأنَّ لأفعالِنا تبعاتٍ توجب علينا أن نفكرَ ملياً قبل أن نُقدِمَ عليها.
إنَّ ما تقدَّم يوفر الخلفيةَ المناسبة لفهمِ المعنى الذي ينطوي عليه قولُ اللهِ تعالى “ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ” (من 54 فصلت). فاللهُ وحده هو الذي بمقدورِه أن يحيطَ عِلماً بكلِّ شيء، وهو وحده الذي لا يغيب عنه أيُّ شيء، ولذلك فهو وحده الذي ليس لأفعالِه آثارٌ جانبية لم تكن في حسبانِه. فإحاطةُ اللهِ تعالى بكلِّ شيء هي العلةُ من وراء انتظامِ الكون بسمواتِه وأرضِه، وبكلِّ ما فيهما من موجوداتٍ يشهد ما يسود بينها من تناغمٍ وانسجامٍ على أنَّ هنالك ذكاءً لم يغفل عن شيء، وإرادةً لا يقف في وجهِها شيء، وقدرةً على كلِّ شيء.
إنَّ النظامَ الذي يسود الكون حين يقارَن بما يسود عالَمِ الإنسانِ من فوضى كامنةٍ في قلبِ ما نظنُّ أنه النظام الأمثل، لا يمكن إلا أن يكونَ نتاجَ قوةٍ لا يمكن لغيرِ الله، كما عرَّفَ نفسَه في قرآنِه، أن يمتلكَها.

أضف تعليق