قراءة ميتابايولوجية في نشوء النفس… العلاقة بين الرجل والمرأة مثالاً

لا يمكن فهم الإلغاز الذي يكتنف العلاقات الإنسانية، وبخاصة العلاقة بين الذكر والأنثى، دون العودة إلى ذلك الحدث المفصلي الذي تعرضت له الطبيعة، والذي يمكن وصفه بـ “الانعطافة التطورية” التي غيّرت مسار تطور الطبيعة تغيّرًا بنيويًا. فهذه الانعطافة ليست مجرد طفرة فيسيولوجية أو تحوّل في نمط البقاء، بل هي تحويلة كبرى أفضت إلى نشوء كائن خرج على قوانين الطبيعة وخضع لمنظومة جديدة وطارئة لم تكن جزءًا من البنية الحيوية السابقة؛ ألا وهي النفس.
لقد ولد الإنسان، بعد هذه التحويلة، مخلوقًا يعيش تحت سلطانين متوازيين: سلطان الجنس، وسلطان النفس الذي يمثّل هذا الحضور الطارئ الخارج على المحددات الطبيعية. ومن هنا بدأ الخلل الذي أصاب منظومات العلاقة سواء علاقة الفرد بنوعه أو علاقة الأفراد فيما بينهم، وعلى رأسها العلاقة بين الذكر والأنثى. فقبل هذه الانعطافة الاستثنائية، كانت العلاقة بين الذكر والأنثى في عالم الحيوان محكومة بقانون واحد واضح ألا وهو استمرار النوع؛ إذ لم يكن هناك ما يتجاوز الوظيفة الجنسية بوصفها آلية تضمن بقاء السلالة. وما يتبعها من رعاية مشتركة للصغار، لدى بعض الأنواع. فلم يكن الجنس سوى امتدادٍ ضروري لضمان استمرارية النوع. فتلك العلاقات كانت تعمل داخل نظامٍ محكم لا يعرف التناقضات النفسية ولا ازدواجية المقاصد ولا الصراع بين دوافع متعارضة. فالحيوان يحركه دافع جنسي طبيعي وذلك من دون ان تكون له إرادة مستقلة. وبذلك فإن بإمكاننا القول إن الطبيعة، قبل الانعطافة التطورية، كانت تمتلك من الاتساق ما يجعل منظومتها مغلقة على ذاتها لا يتهددها خلل داخلي.
إن هذه الانعطافة التطورية لم تكن حدثًا بسيطًا، بل كانت لحظة انهيار اتساق الطبيعة في هذا الموضع من شجرة الحياة. فقد ظهر الإنسان بوصفه كائنًا يحمل فائضًا إدراكيًا لم تتكفّل الطبيعة بتوجيهه بالكامل، فنتج عنه ما يمكن وصفه بـ “النشاط النفساني.” هذه النفس ليست النفس النفسانيّة في علم النفس، ولا هي مجرد منظومة انفعالات. إنها، وفق المقاربة الميتابايولوجية، قوة جديدة نشأت كمنتج عرَضي غير مقصود، لكنها أصبحت تمتلك قدرة هائلة على توجيه السلوك: إرادة لا تخضع لضوابط الطبيعة واندفاعات لا تنسجم مع مبدأ حفظ النوع ورغبات تتجاوز ما هو بيولوجي ونزعات تضع الكائن في صراع مع ذاته ومع غيره. بهذا نشأت في الإنسان قوتان تتنازعان توجيهه: سلطان الجنس، وسلطان النفس (القوة الطارئة ذات الأجندة الخاصة التي لا تنضبط بقانون الطبيعة). ولأن هاتين القوتين تمتلكان قدرة شبه متساوية على توجيهه، أصبح الإنسان يعيش حالة من الاضطراب البنيوي الدائم. هذه الازدواجية هي التي أفسدت انتظام العلاقة بين الذكر والأنثى.
فالعلاقة بينهما لم تعد علاقة وظيفية مرتبطة بمبدأ استمرار النوع، بل أصبحت علاقة تتنازعها رغبات جنسية تأتي من الجسد ومطالب نفسية تأتي من النفس واحتياجات وجدانية تتجاوز الطبيعة وتناقضات شعورية لا تفسير لها داخل النظام الحيواني. لقد أصبح لكل طرف نفس لها توقعاتها ورغباتها وأحلامها ومخاوفها، وهي نفس تطابق بالتمام نفس الطرف الآخر. فالمرأة ليست مجرد أنثى بايولوجية، بل تمتلك نفسًا متماثلة في تركيبها النفسي العميق مع نفس الرجل. وهذا التطابق النفسي، في مقابل الاختلاف الجسدي، هو الذي يخلق “المفارقة الكبرى”؛ حيث أنهما يختلفان جنسيًا ويتطابقان نفسيًا ويعيشان تحت سلطانيْن يوجّهانهما في اتجاهين متطابقين ومتناقضين في الوقت ذاته. فالمرأة ليست “أنثى فقط”، وليست “أمًا فقط”. إنها حاملة للنفس ذاتها التي يحملها الرجل، بما فيها من صراعات داخلية وتناقضات في الرغبة وازدواج في المقاصد. والرجل بدوره لا يواجه أنثى بسيطة، بل يواجه “نفسًا” كاملة التشكّل لها مطالبها وأزماتها وأهواؤها.
من هنا يمكن تفسير كل ما يعتمل داخل الإنسان من مشاعر متعارضة كالحب الممزوج بالغضب والقرب المتلازم مع النفور والحاجة المترافقة مع الخوف والرغبة التي تعيش جنبًا إلى جنب مع الهروب والانجذاب الذي يتجاور مع الصراع والبحث عن الآخر مقرونًا بالبحث عن الذات. هذه ليست تناقضات طبيعية، بل آثار جانبية لسلطان النفس الذي لا يخضع لقوانين الجنس ولا يخضع لمبدأ حفظ النوع ولا ينضبط بأي محدد طبيعي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الإنسان ومن بعد الانعطافة التطورية، قد أصبح كائنًا حائرًا بين نظامين: نظام طبيعي موروث ونظام نفساني طارئ. وما نشهده من تعقيدات في العلاقة بين ذكر الإنسان وأنثاه ليس إلا انعكاسًا لهذه الازدواجية البنيوية التي لا يمكن فهمها إلا ضمن مقاربة ميتابايولوجية تعيد قراءة الإنسان بوصفه كائنًا خرج على الطبيعة، لا بوصفه امتدادًا متطورًا لها. فالقدر الذي جعل الإنسان يختلف جنسيًا بين ذكر وأنثى، على الرغم من تماثلهما النفسي، هو ذاته القدر الذي وضعه في قلب اللغز الوجودي الذي لا يزال يبحث عن حلٍّ له منذ بداية وعيه بنفسه.

أضف تعليق