إحاطة الله بكل شيء… قراءة ميتابايولوجية في حدود العقل الإنساني وامتدادات الفعل بعد التحويلة التطورية

تُعنى الميتابايولوجيا بتحليل اللحظة التي انحرف فيها الإنسان عن المسار التطوري الطبيعي، التحويلة التطورية التي نتج عنها ظهور “النفس البشرية” بوصفها كيانًا لا يشبه آليات الطبيعة الملتزمة بضبط ذاتي فطري، بل يتسم بالتمرد والبحث عن الهيمنة والعجز عن الانسجام مع النظام الوجودي. هذه اللحظة الانعطافية ليست حدثًا بيولوجيًا فحسب، بل هي تحوّل معرفي–وجودي جعل الإنسان كائنًا محدود العقل، مضطرب الرغبات، متجاوزًا للحدود الطبيعية، عاجزًا عن قراءة الامتدادات البعيدة لأفعاله، مفتقرًا إلى التناغم الذي تتسم به الطبيعة المخلوقة على قاعدة الإحاطة الإلهية. ومن هنا يظهر أن فهمنا لقول الله تعالى: ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ لا يكتمل إلا عندما نضعها داخل هذا “السياق الميتابايولوجي” الذي يفسّر جذور عجز الإنسان عن تحقيق الاتساق الذي يملأ الوجود.
تفترض الميتابايولوجيا أن خروج الإنسان على النظام الطبيعي لم يكن نتيجة “نقص”، بل نتيجة زيادة معرفية–عصبية فجّرَت مساحة من الوعي لم تكن الطبيعة قد صُممت للتعامل معها بهذه الطريقة. هذه الزيادة أو “الوعي المزدوج” هي ما خلق انفصالاً بين الفعل ونتيجته فلم يعد الإنسان محكومًا بغريزة منضبطة، بل برغبات تتجاوز اللحظة، والانفصال بين الحاضر والمستقبل فلم يعد مثل الحيوان الذي تتحكم فيه آليات تطورية دقيقة تمنع الضرر طويل المدى والانفصال بين معرفة الذات ومعرفة البيئة حيث أصبح الإنسان يظن أن بإمكانه الإحاطة الشاملة، رغم أن بنيته العصبية لم تستوعب حجم التعقيد الجديد. وبذلك، يصبح “عجز الإنسان عن هذه الإحاطة” ليس مجرد نقص معرفي، بل أثرًا بنيويًا للتحويلة التطورية ذاتها.
يدلنا قول الله تعالى في الآية الكريمة ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ على مصدر الاتساق في الطبيعة، ومصدر الاضطراب في الإنسان. فالكون ينتظم لأن فعله يصدر عن فعل إلهي محيط، بينما الإنسان يضطرب لأن فعله يصدر عن عقل محدود نشأ عن بنية عصبية متحوّلة لا تشبه النظام الطبيعي الذي نشأت فيه باقي الكائنات، بينما وفقاً للرؤية الميتابايولوجية فإن الإحاطة الإلهية تمثّل النظام الأصلي للوجود، ومحدودية الإنسان تمثل النظام الطارئ بعد التحويلة التطورية. وهذا هو الأساس لظهور “العالَم الإنساني المضطرب” مقابل “العالَم الطبيعي المنسجم”.
ولكن ما الذي يقوله فلاسفة المعرفة والإبستمولوجيا بهذا الشأن؟ لنأخذ الفيلسوف الألماني إمانويل كانط مثالاً؛ فكانط يؤكد أن العقل لا يدرك الأشياء كما هي، بل كما تسمح له بنيته الإدراكية. وتضيف الميتابايولوجيا بأن هذه البنية الإدراكية ليست فقط “محدودة”، بل مختلة نتيجة التحويلة التطورية. فالإنسان لم يُصمَّم ليحمل هذا القدر من الوعي، ولذلك: يسيء تقدير الزمان ويبالغ في تقدير قدراته ويفشل في فهم التشابك الوجودي. ولكن ما الذي يقوله فيلسوف العلم كارل بوبر بهذا الخصوص؟ بوبر يرى أن المعرفة تخمينية. أما الميتابايولوجيا فإنها ترى أن السبب الجذري للتخمينية هو الوعي المزدوج الذي أوجدته التحويلة التطورية؛ وهو وعي لا يملك آليات تصحيح طبيعية كالتي لدى الحيوان. ولكن ما هو رأي غاستون باشلار في هذه المسألة؟ يؤكد باشلار أن العقل لا يتقدم إلا عبر اصطدامه بحدوده، بينما تفسر الميتابايولوجيا هذا أن العقل البشري يعيش حالةً من شقاق داخلي بين إرادة المعرفة وقيود البنية العصبية، وانقساماً بين الرغبة في الاتساق والعجز عن تحقيقه. وبذلك تصبح حدود المعرفة، في الميتابايولوجيا، ليست حدودًا ميتافيزيقية، بل أثرًا مباشراً لخلل عميق في بنية التطور الإنساني.
إن الميتابايولوجيا ترى أن عجز الدماغ البشري عن التناغم مع الوجود هو ليس نتيجة تطور خطي طبيعي، بل نتيجة تحوّل مفاجئ أصاب منظومته المعرفية مما أدى الى أنه وسّع قدرته التخيلية، وضيّق قدرته التنبؤية، ورفع مستوى الوعي، وقلّل الكفاءة في تقدير العواقب. وهذا ينسجم تمامًا مع علم الأعصاب الذي برهنت ابحاثه المعاصرة على أن
1. الذاكرة العاملة لا تتجاوز 7 وحدات. وهذا يعني أن الإنسان بطبيعته لا يمكنه تقدير الشبكات المعقدة.
2. انحياز الحاضر Present Bias وهو انحياز لم يكن ليظهر لو بقي الإنسان محكومًا بالغريزة الطبيعية.
3. عدم قدرة الدماغ على التنبؤ طويل المدى لأن دوائر التخطيط لم تُصمَّم لتحمّل العبء الميتابايولوجي للوعي الجديد.
هنا تصبح اللاإحاطة سمة تطورية اضطرارية، لا نقصًا عرضيًا.
ولكن كيف تفسر الميتابايولوجيا التاريخ؟ الميتابايولوجيا تفسر التاريخ ليس كتتابع أحداث، بل كتتابع اختلالات متراكمة ناتجة عن الوعي غير المنضبط. والآن لنأخذ بعض الأمثلة التاريخية التي توضح الكيفية التي تفسر بها الميتابايولوجيا تتابع أحداث التاريخ. فالثورة الصناعية تحققت بفضل وعي جديد؛ لكنه وعي غير قادر على تقدير آثار 200 سنة إلى الأمام. والاستعمار قامت به حضارات امتلكت القدرة التقنية لكنها افتقرت إلى النضج الوجودي لتقدير آثار جرائمها على البنية العالمية. والأزمات البيئية كلها نتائج لوعي مفصول عن الطبيعة بعد التحويلة التطورية.
وبهذا تتحول هذه الأمثلة إلى شواهد على أن الإنسان لم يتأهل بعد لحمل الوعي الذي انبثق فجأة في هذه التحويلة.
ولكن كيف تنظر الميتابايولوجيا الى مسألة الإحاطة الإلهية بالوجود، وذلك في ضوء عجز الانسان عن القيام بما يمكِّنه من أن يكون محيطاً بكل شيء كما يقتضي منه ذلك زعمه بأنه قادر على الإحاطة بكل شيء؟ ترينا الميتابايولوجيا بأن الانسان لن يكون بمقدوره يوماً أن يحيط بكل شيء، وذلك لأنه مخلوق وليس الخالق، وأنه عاجزٌ كذلك التناسق الوجودي مع الطبيعة بعد خروجه على قوانينها؛ هذا الخروج الذي تعبر عنه الميتابايولوجيا بوضوح. فالحيوان يتحرك داخل نظام التشابك الطبيعي، بينما خرج الإنسان على هذا النظام دون أن يمتلك بديلًا متسقًا. والكون ينتظم لأن ما يسوده من قوانين قد صدرت عن الإحاطة الشاملة لله تعالى، بينما الإنسان يضطرب لأن فعله يصدر عن نظام وعي مختل بعد التحويلة التطورية.
هنا يصبح قول الله تعالى ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ بيانًا لحدّين:
1. حدّ الإله: الكمال.
2. حدّ الإنسان: العجز البنيوي عن الإحاطة.
ولكن، كيف نُصلح هذا الاختلال؟ لا تكتفي الميتابايولوجيا بتشخيص هذه المشكلة، بل تُنتج أخلاقًا جديدة:
1. أخلاقية الاعتراف بالحدود؛ فالإنسان ليس إلهًا، وليس قادرًا على الإحاطة الشاملة.
2. أخلاقية الامتداد الزمني “التفكير الممتد بقرون، وليس لسنوات.”
3. أخلاقية التواضع المعرفي؛ فكل قرار بشري مشفوع باحتمال الخطأ.
4. أخلاقية الانسجام مع الطبيعة، وذلك بالعودة إلى حدود النظام الطبيعي الذي خرج عليه الإنسان.
5. أخلاقية الفعل المتروي المحسوب، وذلك لأن الوعي السريع هو نتاج التحويلة التطورية ويفتقر إلى الضبط الطبيعي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن القراءة الميتابايولوجية تُظهر لنا أن الفرق بين الإنسان والطبيعة ليس فرقًا في الاتجاه، بل فرقًا في البنية الوجودية، فالطبيعة تعمل ضمن إطار إحاطة إلهية أما الإنسان فإنه يعمل ضمن إطار وعي محدود ظهر فجأة دون آليات ضبط. وهذا الفارق هو عينه الذي يجعل عالم الطبيعة متناغمًا، وعالم الإنسان مختلًا. ومن هنا، يصبح قول الله تعالى: ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ إعلانًا لحدّ الإنسان، ودعوة لإعادة بناء الذات على ضوء الوعي بحدودها.

أضف تعليق