
إنّ أيَّ مقاربة علمية أو فلسفية جادّة لا بد لها أن تبدأ من تحرير العقل من سطوة الهوى ومن تجليات النفس البشرية التي تميل إلى الانتصار للموقف المسبق أكثر من ميلها إلى طلب الحقيقة. والداروينية، كغيرها من القضايا المعرفية الكبرى، لم تسلم من هذا الخلل المنهجي؛ فقد خضع تقييمها لدى كثيرين، سواء من المتدينين أو من الداروينيين المتحمسين لاعتبارات انفعالية وأيديولوجية، وليس لمعايير العقل والبحث الموضوعي. فالمبالِغون في رفضهم للنظرية استندوا إلى موقفٍ ديني أو وجداني دون تمحيصٍ علمي؛ كما أن بعض المدافعين عنها انطلقوا من موقفٍ إلحادي مسبق جعل الداروينية أداةً للصراع الإيديولوجي وليس إطارًا تفسيرياً قابلاً للفحص النقدي. وعليه، فإن المدخل الصحيح لتقييم الداروينية لا يقوم على الانفعالات الدينية ولا على التحيزات المادية، بل على الاحتكام الصارم لمعيار العقل والمنهج العلمي.
لقد تضمّنت الداروينية، منذ صدور كتاب داروين أصل الأنواع، ثروة من الملاحظات التجريبية والحقائق المختبرية التي أمكن التحقق منها مرارًا. وتقدّم النظرية تفسيرًا متماسكًا لكثير من الظواهر الحيوانية والنباتية، مثل: التكيف الطبيعي والانتقاء الأنسب والتنوع الوراثي وآليات البقاء والانسجام مع القوانين التطورية التدريجية.
هذه المجالات تمثل النطاق العلمي المحض للنظرية، وعملها فيها يشبه عمل “ساعة سويسرية” دقيقة، لا خلل في منطقها الداخلي ولا في قدرتها على التفسير ضمن شروطها. ومن هنا فإن الداروينية، بما هي بيولوجيا تفسيرية، تظل واحدة من أعمدة فهمنا للكائنات الحية، ولا يمكن تجاهلها أو نسفها بحجج انفعالية أو غير علمية.
تبدأ المشكلة حين يُطلَب من الداروينية أن تفسّر ما هو غير حيواني في الإنسان: الوعي المركّب والتجريد الرمزي والأخلاق كتعالي على المصلحة والنزعات المثالية والقدرة على التضحية غير النفعية والإبداع الفني والنزوع نحو المعنى والميتافيزيقا، بل وحتى القدرة على الإفساد أو العنف الذي يستعصي على التفسير الدارويني.
هذه الظواهر لا تقدم البنية الداروينية أي إطار كافٍ لاستيعابها، لأنها ظواهر نجمت عن الانفصال الإنساني عن السياق الحيواني، وهي تمثل ما يمكن تسميته وفق المقاربة الميتابايولوجية “الشقّ غير الحيواني في الإنسان”. إن إصرار الداروينية المتشددة على ردِّ كل ما هو إنساني إلى ماضٍ حيواني خالص يجعلها، عند هذا الحد، تتحول من نظرية علمية إلى ميتافيزيقا مادية، تمامًا مثلما يتحول الخطاب الديني المتطرف إلى ميتافيزيقا من نوع آخر. والخلاصة هنا أن المشكلة ليست في الداروينية بل في توسيع مجالها؛ إذ تُحَمَّل النظرية ما لم تُبنَ لتفسيره.
تنطلق الداروينية التقليدية من فرضية أساسية مفادها أن الاستمرارية التطورية بين الإنسان والحيوان قائمة دون أي انقطاع جوهري. غير أنّ هذا الافتراض يصطدم بواقعٍ مركب، أبرز ملامحه:
1. ظهور الوعي في شكل قفزة لا تراكم تدريجي فالأدلة العلمية الحديثة تشير إلى أن الوعي الإنساني لا ينسجم مع نموذج التراكم البطيء الذي تقترحه الداروينية.
2. ظهور الأخلاق كسلطة فوق-بيولوجية؛ حيث أن الأخلاق ليست مجرد أدوات للبقاء، بل كثير منها يعاكس مبدأ البقاء ذاته.
3. اللغة والرمز والتجريد، هذه قدرات لا يحمل الحيوان منها سوى بذور بدائية لا تكفي لبناء منظومة تفسيرية داروينية مكتملة.
4. القدرة على التدمير غير النَّفعي، فالإنسان هو الكائن الوحيد القادر على الإفساد من دون مكسب تطوري.
هذه المظاهر تؤكد أن الإنسان ليس مجرد “حيوان متطور”، بل كائن ذو بنية مزدوجة تتجاوز التفسير البيولوجي المحض.
والآن، يحق لنا أن نتساءل إن كان هناك ما يستحق الإبقاء عليه في الداروينية؟
تقتضي الإجابة الموضوعية منا أن نختار بين الخيارات الثلاث التالية:
1. إبقاء الداروينية في مجالها الطبيعي: النبات، الحيوان، والسلوك الحيواني في الإنسان.
2. رفض تحويلها إلى رؤية كونية شاملة لأن ذلك لا ينسجم مع أدواتها المعرفية ولا مع حدود المنهج العلمي.
3. الإقرار بأن عجزها عن تفسير “الشق غير الحيواني” في الإنسان
ليس عيبًا فيها، بل مؤشرًا على ضرورة إطار معرفي جديد.
وهنا يأتي المشروع الميتابايولوجي ليقدّم تفسيرًا لتلك الظواهر التي تتجاوز قدرة الداروينية: الوعي، النفس البشرية، القطيعة التطورية، والطبيعة الثنائية للإنسان.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الداروينية كمنظومة تفسيرية ضمن حدودها البيولوجية ضرورة علمية لا غنى عنها، لكنها تصبح عبئًا معرفيًا حين تُحمَّل ما لم تُصمَّم لتفسيره. والإبقاء عليها يجب أن يكون مشروطًا بإعادة صياغة وظيفتها في إطار علمي خالص، مع الاعتراف بأن الإنسان يتجاوز، بنشأته وتركيبته، حدود “الحيوانية” التي تفسرها النظرية. وبقدر ما نُنقذ الداروينية من الاستخدامات الميتافيزيقية، بقدر ما ننقذ العلم نفسه من الوقوع في الإيديولوجيا، ونفتح الطريق نحو مقاربة جديدة تفسر الظاهرة الإنسانية تفسيرًا يليق بتعقيدها؛ وهذه هي المقاربة الميتابايولوجية.
