
إذا كان الجزء السابق من المقالة قد بيّن أن الدين، وفي مقدّمته النظام القرآني، يمثّل الصيغة النموذجية للسلوك البشري الممكنة بعد الخلل البنيوي الذي أصاب الإنسان جراء التحويلة التطورية، فإن هذا الجزء يركّز على الوظيفة الأخلاقية للنواهي الإلهية في هذا النظام. فالنهي الإلهي في جوهره ليس عقوبة ولا قيدًا، بل برنامج إصلاح بنيوي يوجّه الإنسان نحو استعادة السيطرة على الإرادة التي انفلتت من موقعها الطبيعي بعد الانعطافة التطورية التي أنتجت «النفس البشرية» وازدواج الإرادة وتمزّق البنية التكوينية للإنسان. إن كل نهيٍ في القرآن هو وحدة علاجية مصمَّمة لتقليص مساحات نفوذ النفس، وإعادة الإنسان إلى حالة من الانضباط الوجودي التي كانت الكائنات الأخرى تمتثل لها تلقائيًا بحكم بنائها الطبيعي.
تذهب المقاربة الميتابايولوجية إلى أن الإنسان لم يُخلق شريرًا، وإنما أُصبح بمقدوره اقتراف الشر كأثرٍ جانبي لتحوّل تطوري جذري؛ تحوّل منح الإنسان قدرات معرفية وتمثيلية ولغوية متفوقة، لكنه في الوقت نفسه أدّى إلى تصدّع التوازن بين “الطبيعي” و“النفسي”. وهذا الانفصال بين العقل والانضباط الغريزي أسفر عن نشوء النفس بوصفها سلطة متمردة داخل البنية البشرية؛ مما أدى الى اتساع قدرة الإنسان على الظلم والبغي والعدوان، وغياب الضبط التلقائي للسلوك كما هو الحال عند الحيواني، وظهور قدرة غير مسبوقة على التخريب والإفساد والقتل والاحتيال وسائر أشكال الانحراف. وهنا يتبيّن الفارق الجوهري بين العدوان الطبيعي لدى الحيوان الذي تنظمه قوانين الطبيعة الصارمة، وبين العدوان اللامنضبط لدى الإنسان الذي يتحرّك تحت ضغط نفس منفلتة من كل ضابط. من هنا تصبح النواهي الإلهية ليست مجرّد “أوامر فوقية”، بل أدوات هندسة أخلاقية صُممت لاحتواء نتائج تلك التحويلة التطورية.
والآن، لنأخذ على سبيل المثال، بشيء من التفصيل، النهي الإلهي عن الشرك. فالشرك يأتي على رأس المنظومة المنهي عنها في القرآن، ليس لمجرد كونه خطأ في الاعتقاد، بل لأنه يتعارض مع البنية المعرفية التي تجعل الإنسان خاضعًا للحقّ الأعلى، ويمنح النفس سلطة مطلقة لأن تتخذ هواها مرجعًا بديلاً عن الله، ويدفع بالإنسان إلى تأليه نفسه التي هي أصل الكارثة الأخلاقية. ومن منظور ميتابايولوجي، فإن الشرك هو ترسيخ للتشقّق الوجودي الذي أحدثته التحويلة التطورية؛ فالنفس التي خرجت من تحت سلطان الطبيعة لا يمكن ضبطها إلا بإعادة ربطها بإرادة عليا مطلقة تكسر استبدادها وتعيد ترتيب النظام الداخلي للإنسان. ولهذا كان التوحيد ليس “مبدأ عقائديًا” فحسب، بل آلية تصحيح بنيوي ضرورية لشفاء الكائن البشري من عطبٍ أصاب جهازه الأخلاقي منذ عصور سحيقة.
والآن، لنلقِ بعض الضوء على العلة من وراء هذا النهي الإلهي عن القيام بما يعزز سطوة النفس ويمكِّنها من إحكام سيطرتها على الانسان؛ ففي القرآن يتكرر النهي عن الظلم والقتل بغير حق والبغي والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل والكِبر والاستعلاء على الخلق. وهذه كلها ليست “قضايا اجتماعية” بالمعنى السطحي، بل هي ملفات تشخيصية ترصد أعراض النفس حين تتضخم وتهيمن على العقل. فالظلم ليس فعلاً خارجيًا، بل هو انعكاس لخلل في البنية الداخلية؛ فكل ممارسة للظلم في التاريخ، بلغة الميتابايولوجيا، هي “تعبير فيزيائي عن تضخم نفسي”. ولهذا تقدّم النواهي الإلهية خارطة الطريق لإعادة هيكلة السلطة داخل الإنسان: العقل فوق النفس، والضمير فوق الهوى، والإرادة المسؤولة فوق الرغبة المنفلتة.
فالفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ليست مجرد أفعال جنسية منحرفة، بل هي آليات تغذي تسلط النفس وتجعل الإنسان أكثر قابلية للعنف والبغي والعدوان وتضعف قدرته على مقاومة نفسه وتزيد تطلعه للسيطرة والاستحواذ. ولهذا جمع القرآن بين الفاحشة والمنكر والبغي في سياق واحد، وذلك لأن جذورها النفسية متشابكة؛ فكل فاحشة هي في حقيقتها توسّع في سلطة النفس، وكل منكر هو في حقيقته تعطيل لوظيفة العقل، وكل بغي هو في حقيقته انحراف في وظيفة الإرادة، وكل ظلم هو في حقيقته تطبيق فعلي لطغيان النفس على الآخرين. إنها سلسلة مترابطة تبدأ من الداخل وتنتهي بخراب الخارج.
َولكن، لماذا حرَّم اللهُ تعالى شربَ الخمر وقول الزور؟ فمن اللافت أن القرآن ينهى عن الخمر وقول الزور في سياقات أخلاقية واحدة؛ إذ يشغل كلاهما المكان نفسه في الهندسة الميتابايولوجية للنهي فشرب الخمر يعطّل العقل ويمنح النفس مساحة للتسيّد دون رقابة. أما قول الزور، فيزيِّف الحقيقة ويقوّض أسس الإدراك المستقيم فيصبح الإنسان عبدًا لخيالاته وافتراضاته. من منظور ميتابايولوجي، هذان السلوكان يدمران ما تبقى من قدرة الإنسان على تمييز الحق، فيصبح أكثر قابلية للوقوع فريسة للنفس وتمردها.
َوالآن، وبتدبر ما تقدم، أفلا يحق لنا أن ننحت مصطلحاً جديداً يعبِّر عن هذا “التفوق الأخلاقي” المميِّز للقرآن؟
إن خير ما يعبر عن ذلك هو مصطلح “الإعجاز الأخلاقي”؛ فمن يدرس النص القرآني بحياد وموضوعية، لا يمكن إلا أن يدهشه هذا الإعجاز الأخلاقي: نواهٍ تختزل جوهر الشرّ البشري، وعلاج أخلاقي يتناسب مع طبيعة الخلل التطوري البنيوي، وبناء نفسي يهدف إلى “إعادة تشكيل” الإنسان وفق شروط الصلاح, ونظام قادر على “تحييد” كل الانحرافات التي نشأت إثر التحويلة التطورية.
إن القرآن لا يقدّم أخلاقًا بشرية، بل يقدّم “هندسة وجودية” يعجز العقل البشري عن صياغتها من تلقاء نفسه. ولهذا لا يصح المجازفة بالاستغناء عن هذا النظام الأخلاقي لصالح منظومات بشرية، أوروبية، تعجز عن اصلاح طبيعة الإنسان؛ منظومات لا تزال عاجزة، حتى اليوم، عن الاعتراف بماضيها الاستعماري وبالجرائم التي أرتُكبت باسم الحضارة وبأنها أنتجت سياقات قانونية وأخلاقية لا تكبح النفس بقدر ما تخدم مصالح القوة الطاغية. فكيف يمكن لنظامٍ كهذا أن يكون بديلًا عن نظامٍ إلهي شخَّص العيوب الجوهرية التي لا قيام للنفس البشرية إلا بها؟
إن ما تقدم يقدم لنا مقاربة جديدة لتبين حقيقة النواهي الإلهية. فهذه النواهي في ضوء المقاربة الميتابايولوجية، تتكشف وظيفتها الجوهرية في إعادة تأهيل الإنسان ليكون صالحًا لِذاتِه ولغيره؛ فالنهي عن الشرك يعيد ترتيب الوعي، والنهي عن الظلم والبغي يعيد ترتيب الإرادة، والنهي عن الفواحش والمنكرات يعيد ضبط الطاقة النفسية، والنهي عن الزور والخمر يعيد الاتساق المعرفي. إنها ليست محرّمات بمعناها الفقهي فحسب، بل هي مبادئ علاجية لبناء إنسانٍ جديد؛ إنسان يمكنه أن ينجو من النفس التي ولدت مع التحويلة التطورية ويستعيد انسجامه الذي فقده منذ تلك اللحظة الفاصلة التي خرج فيها على قوانين الطبيعة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). (4- 6 التين)
