
كم من مَثَلٍ شعبي صاغته عبقريةٌ قلَّ نظيرُها، وغابَ عنا معناه لإيثارِنا تناقلَ ما شاع بشأنِه من فهمٍ خاطئٍ؟ وفي هذا ما فيه من برهانٍ على نفورنا من كلِّ ما يتطلبُ منا بذلَ الجهدِ في تحصيلِه طالما كان الأمرُ لا يعود علينا بمنفعةٍ تظهر آثارُها علينا ثراءً وغِنى! فالمعرفةُ هي آخرُ همِّنا، وذلك بالمقارنةِ مع ما تواضعنا عليه ليكونَ شاغلَنا، وإلا فلماذا توارثنا وتناقلنا التفسيرَ الشائع، والفهمَ الخاطئ، للمثلِ الشعبي المصري “كلّنا في الهوى سوا”؟ فالمعنى الذي تواضعنا عليه بالإمكانِ صياغتُه كما يلي: “كل الناسِ معذَّبون جراء ما يشغل قلوبَهم من الحب (الهوى)”، وما ذلك إلا لنبرر لأنفسِنا أننا لسنا وحدَنا مَن يعذِّبُه الحب ويؤرِّقه الهوى. ولكن هل هذا هو المعنى الحقيقي الذي ينطوي عليه هذا المثل؟
يعينُنا على تبيُّنِ الإجابةِ أن نستذكرَ ما جاءنا به القرآنُ بهذا الشأن. فلقد وردت كلمةُ “الهوى” في القرآن العظيم في مواطن عدة، منها:
1- (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) (من 135 النساء).
2- (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (من 26 سورة سبأ).
3- (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (3 النجم).
4- (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (40- 41 النازعات).
5- (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (من 28 الكهف).
6- (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) (من 50 القصص).
يتبيَّن لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ “الهوى” هو كلمةٌ قرآنيةٌ لا يختلف معناها عن معنى كلمةٍ قرآنيةٍ أخرى هي “النفس”. وبذلك، فإنَّ الحكمةَ المتضمَّنةَ في المثلِ الشعبي المصري القديم أعلاه بالإمكانِ صياغتُها بالكلماتِ التالية: “كلُّ البشرِ سواء في النفسِ التي ابتلاهم اللهُ بها لينظرَ أيَّهم أحسنُ عملاً”.
