
يتفق علماء المصريات على أن الديانة التي دعا إليها إخناتون كانت تقوم على أساس من توحيد إله واحد آتون، ورمزه هو قرص الشمس. ولقد قادت هذه الرمزية البصرية الباحثين إلى تصنيف التجربة الإخناتونية كشكلٍ من أشكال عبادة الشمس المُركَّزة.
وتدعو هذه المقالة الى إعتماد تأثيل جديد لإسم آتون. فتحليل كلمة آتون من منظور التأثيل اللغوي السامي يكشف عن دلالة أعمق وأكثر جوهرية. فبدلاً من أن يكون آتون اسمًا لقرص الشمس، فإنه في الحقيقة الإسم الذي يُشير إلى “الإله الواحد الأحد”، أما قرص الشمس، فإنه يبقى رمزًا مُشِعًّا لقوة هذا الإله الواحد الأحد.
تعتمد الحجة الأساسية لهذه المقاربة التأثيلية الجديدة على الربط الصوتي والدلالي بين اسم الإله آتون (Aten) ،والجذر السامي القديم “أحد”، الذي يعني “الواحد” أو “المُنفرد”، وهو حجر الزاوية في العقائد التوحيدية، وذلك كما يلي:
1. السياق اللغوي: من “أحدون” إلى “آتون”:
1. الجذر الأصلي للكلمة هو من الجذر السامي “أ ح د” (أحد) وهو جذرٌ يفيد الواحدية والفرادة.
2. التحول الصوتي السامي القديم: تشير الدراسات اللغوية المقارنة إلى أن التغييرات الصوتية في نهاية الأسماء (مثل الإضافة ūn/-ān) ) كانت شائعة في اللغات السامية القديمة (كالأكادية والكنعانية)، وقد تشير إلى حالة الرفع أو التعظيم. فالكلمة “أحدون” في بعض اللهجات العربية القديمة تعني ببساطة “الواحد”.
3. التحوّر المصري: يُفترض أن الاسم “أحدون” خضع لتحوير صوتي طبيعي عند دخوله أو تفاعله مع اللغة المصرية القديمة، مما أدى إلى حذف الحرف الحلقي (ح) وتسهيل المقطع الصوتي ليصبح “آتون”. هذا التحول من أحدون الى آتون يؤكد أن الاسم يحمل في جوهره دلالة الواحدية.
2. التزامن الصوتي مع البانثيون المصري: لقد استخدم إخناتون رابطًا صوتيًا من البانثيون القديم لجعل فكرة “الإله الواحد الأحد” الجديدة (آتون/أحدون) مألوفة، وذلك بأن استقدم الكلمة المصرية القديمة آتُوم (Atum) وهي الكلمة التي تشير في العقيدة المصرية القديمة الى إله شمس المساء، وتشير هذه الكلمة إلى “التمام” أو “الاكتمال”، كما أن نطقها قريب من آتون. فربط الإله الجديد آتون بالشمس الغاربة أتوم يُسهّل على المصريين قبول الاسم وحفظه، حيث يعمل كـ مُذكِّر صوتي مُيسِّر، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن إخناتون يدعو لعبادة الإله القديم أو القرص المادي.
فإذا كان آتون يعني “الواحد”، فإن قرص الشمس (𓇳) ذي الأشعة التي تنتهي بأيدٍ ليس هو الإله، بل هو أوضحُ تجلٍّ يُذكِّر بقوته، وذلك كما يلي:
1. رمز مصدر الحياة: إن قرص الشمس هو مصدر النور والحرارة والحياة على الأرض، وهي كلها صفات جوهرية تُنسب إلى الإله الخالق الواحد.
2. الوظيفة الرمزية: استخدم إخناتون قرص الشمس كـ “واسطة تعريف” أو “رمز دالّ” على قدرة الإله اللامُتجسِّد (آتون/الواحد الأحد)، ليُميّزه عن الآلهة الأخرى التي كانت تُصوَّر على هيئة بشرية أو حيوانية (مثل آمون).
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ديانة أخناتون هي في جوهرها ديانة توحيدية قائمة على أساس من عبادة الإله الواحد الأحد، وأن أخناتون قد استعار رمز قرص الشمس ليكون تعبيرًا عن قوة الخلق الكونية لهذا الإله، وليس موضوع العبادة نفسه. وهذه المقاربة تضع التجربة الإخناتونية في سياقها التوحيدي الحقيقي بدلاً من تصنيفها على أنها واحدة من تلك العبادات التي كانت تؤلِّه الشمس.
