
لطالما اعتُبرت الأساطير المصرية القديمة والميثولوجيا الجرمانية الشمالية كيانين تاريخيين منفصلين، تفصل بينهما آلاف السنين وآلاف الأميال. ومع ذلك، يكمن في قلب كلٍ منهما اسمٌ يحمل تشابهًا لا يمكن تجاهله: آتون (Aten) في مصر، إله التوحيد المطلق في عهد إخناتون، وأودن (Odin) في الشمال الجرماني، الإله الأب (All father) والسيد المطلق للبانثيون الجرماني.
تُبين هذه المقاربة الجديدة أن هذا التشابه ليس مجرد مصادفة صوتية، بل هو دليل على وجود جذر لغوي وديني مُوحَّد كان يُمثِّل الشكل الأول للعبادة، وهو التوحيد، قبل أن يتحول إلى تعدد الآلهة (الشرك) في الشمال. إن تماثل آتون وأودن يدعونا لإعادة كتابة تاريخ الأديان الجرمانية بأخذ الحقبة التوحيدية الضائعة في الحسبان.
1. التماثل البنائي والدلالي: آتون = أودن
إن دراسة الاسمين تكشف عن تماثل ملحوظ على المستويين الصوتي والدلالي:
أ. التماثل البنائي والصوتي
• التحول الصوتي: التحول بين حرف التاء في آتون وحرف الدّال في أودن هو تحول صوتي طبيعي وشائع في التناقل اللغوي (ما يُعرف بالـ Voicing أو الجهر/الهمس)
• ثبات النون: بقي حرف النون ثابتًا في نهاية كلتا الكلمتين، مما يؤكد الثبات البنيوي للجذر اللغوي الأصلي.
• الحركات الصوتية: التغير في الأحرف الصوتية (المدود) بين آتون وأودن هو أمر تقتضيه ضرورات التناقل عبر اللهجات والجغرافيا المتباعدة.
ب. التماثل الدلالي والوظيفي
• آتون (Aten): كما ذكرنا سابقًا، هو رمز الإله الواحد مطلق السيادة الذي لا يُشرك في حكمه أحد (بناءً على اشتقاق “أحدون”).
• أودن (Odin): هو الإله الأب الكلي في الميثولوجيا النوردية (الشمالية)، وهو سيد كل شيء، إله الحكمة والنصر والسحر. إن سيادته المطلقة على البانثيون الجرماني (رغم وجود آلهة أخرى) تعكس بوضوح دلالة السيادة والوحدة المُطلقة التي هي جوهر “آتون”.
تفتح هذه المقاربة الباب لنظرية “التوحيد المُتدهور” أو الأحدية القَبْلية (Primeval Monotheism) في البانثيون الجرماني:
• الفرضية التوحيدية الأصلية: كان الدين الأول للقبائل الجرمانية القديمة هو التوحيد، وكان الإله الأوحد هو أودن/آدون (المشتق من “أحدون/آتون”). في هذه المرحلة، كان أودن هو الخالق والمدبر الأوحد، تمامًا كما كان آتون في مصر.
• نشوء البانثيون: أستحدث مفهوم الآلهة المتعددة (الشرك) في الميثولوجيا الجرمانية (مثل ثور، وتير، وفريا) كعملية تدهور مفهومي؛ حيث تحول الإله الواحد الأحد إلى إله أعلى تخضع لسلطانه آلهة أدنى، أو ربما أصبحت تجسيدات لصفات الإله الواحد. وبمقتضى هذا التدهور المفهومي فلقد أحتفظ مفهوم الاله الواحد الأحد (أودن “الأب الكلي”) بصفة الإله الأعلى المطلق، ولكنه لم يعد الإله الوحيد.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن محاولة إخناتون لإعادة فرض التوحيد في مصر (آتون) قد تكون انعكاسًا لحقيقة دينية أوسع كانت منتشرة في العالم القديم، وأن الجرمان القدامى قد حملوا معهم هذا المفهوم التوحيدي الأولي (أودن/الواحد) قبل أن يتطور نظامهم الديني إلى تعدد آلهة مُعقَّد.
والآن، ألا يحق لنا ندعوَ لإعادة كتابة التاريخ الديني الجرماني؛ حيث أن التقارب بين “آتون” و”أودن” يُمثِّل أكثر من مجرد مصادفة صوتية؛ إذ أنه يمثل نقطة انطلاق لإعادة تقييم الروابط الميثولوجية بين الشرق القديم وأوروبا الشمالية. إن تدبر الجذور السامية/التوحيدية لاسم آتون، وكذلك تدبر التشابه الصوتي – الوظيفي مع أودن، فإن ذلك يدفعنا إلى استنتاج مفاده أن البانثيون الجرماني قد نشأ بعد حقبة توحيدية كان فيها أودن/آتون هو الإله الأوحد، مما يغير تسلسل تطور المفهوم الديني السائد من الشرك إلى التوحيد.
