الجذر العربي للكلمات Between و Below وSchwert

لم تعد هيمنةُ المدرسة الهندو–أوروبية في التأثيل اللغوي (Etymology) مسألةً معرفيةً محضة بقدر ما أصبحت أفقًا مُحدِّداً لطريقة طرح الأسئلة ذاتها حول الماضي اللغوي للبشرية. فالمسارُ الذي اختارتْه هذه المدرسة، والقاضي بإرجاع أصول معظم اللغات الأوروبية إلى عائلةٍ افتراضية واحدة هي عائلة اللغات الهندو–أوروبية، قد أفضى مع الزمن إلى نوعٍ من “الرضا التأثيلي” الذي توقّف عند طبقةٍ بعينها من الماضي اللغوي وتعامل معها وكأنها بداية السلسلة لا حلقة من حلقاتها المتأخرة.
غير أنّ التمعّن في عددٍ متزايدٍ من الألفاظ الأوروبية يكشف لنا عن طبقات أعمق من هذا الماضي؛ طبقاتٍ لا يمكن فهمُها فهمًا مُرضِيًا إلا إذا مُدَّت الجسور بينها وبين الجذور العربية. فثمة ذاكرة صوتية ودلالية ما تزال فاعلة في كثيرٍ من هذه الألفاظ، تشهد بأن رحلتها اللغوية لم تبدأ مع الهندو–أوروبية بل قد سبقتها مرحلةٌ أقدم منها، يمكن ان نسميها المرحلة العربية. وفي هذا السياق بإمكاننا ان نأخذ بعين الاعتبار ثلاث كلمات أوروبية:
الكلمة الإنجليزية between والكلمة الإنجليزية below والكلمة الألمانية Schwert، بوصفها أمثلةً كاشفة على ما يمكن أن نسمّيه “التأثيل العربي البديل”؛ أي محاولة ردّ هذه الألفاظ إلى جذورها الأعمق عبر بوابة العربية، لا على أساس التخمين المجرد، بل بالاستناد إلى قرائن صوتية ودلالية متضافرة، وذلك كما يلي:
الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Between
1. في العربية، يحمل الجذر) ب ي ن (معاني: الفصل والانفصال والتمييز والمسافة الفاصلة بين شيئين بَيْنَهما مسافة، و”استبان الشيء” أي اتضح وانفصل عن غيره، والبينونة تباعدٌ وانفصال. هذا الحقل الدلالي الواسع، حقل “الفصل بين اثنين”، هو بعينه ما تعبّر عنه الكلمة الإنجليزية between.
2. كمرحلةٍ نهائية في رحلة الجذر العربي التطورية إلى between، يقدّم التأثيل الهندو–أوروبي التقليدي تفسيرًا لكلمة between بوصفها مشتقة من الإنجليزية القديمة betwēonum، المرتبطة بالعدد “اثنين” (two)، ومنها الجذر الهندو–أوروبي الافتراضي (dwo). غير أن هذا التفسير يكتفي بالوقوف عند هذه الطبقة، ولا يسأل من أين جاءت هذه البُنية الصوتية ذاتها؟ ولماذا تتجاور فيها الأصوات b – t – w – n بهذه الصورة اللافتة؟
أما وفقاً للمقاربة التأثيلية العربية البديلة، فإن بالإمكان قراءة between  بوصفها الصيغة الإنكليزية المتأخرة للجذر العربي القديم “بَيْن” بعد رحلة تطورية طويلة خرج فيها الجذر من موطنه الأصلي العربي إلى مجالٍ لغوي جديد في أوروبا؛ حيث خضع لضرورات صوتية فونولوجية أدت إلى إضافة أصوات جديدة دون محو هويته الأصلية.
فالذي يلفت النظر هنا هو:
1. ثبات الباء والنون في البنية الصوتية للكلمة (b – – – n)، وهما ركيزتا الجذر العربي ب ي ن.
2. دخول التاء في بُنية الكلمة، وهي إضافة يمكن فهمها في ضوء ما يحدث كثيراً عند انتقال الجذور بين اللغات من إدخال صوتٍ انفجاري لتسهيل النطق في بيئة صوتية جديدة.
3. حضور أصواتٍ مدّية وانزلاقية مثل w / ee التي يمكن التعامل معها بوصفها توسّعًا فونولوجيًا حول “النواة الصامتة” الأصلية: ب–ن.
بهذا المعنى، تصبح between ليست كلمةً منفصلةً عن الجذر العربي، بل مرحلة متأخرة من حياة الجذر “بين”، اكتسبت خلالها الكلمةُ إضافاتٍ صوتية فرضتها بُنية اللغات الجرمانية، بينما احتفظت في عمقها بحرفَي الباء والنون وبجوهر دلالتها الأصلي: المسافة الفاصلة بين اثنين.


أما الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Below
1. من low الىbelow  : تخبرنا المعاجم الإنجليزية أن below  مشتقة من تركيبٍ قديم هو be–low، أي “عند المنخفض” أو “في الأسفل”، وأن أصل المعنى يرتبط بكلمة low  الدالة على الانخفاض. غير أن ما يعنينا هنا ليس هذه الطبقة المتأخرة من التأثيل، بل ما قبلها. فمن أين جاءت low  نفسها ؟ وكيف يمكن أن تُقرأ في ضوء الجذور العربية؟
low بوصفها مرآة مقلوبة لكلمة “عالٍ” . تقترح المقاربة التأثيلية العربية البديلة أن كلمة low  الإنجليزية تحمل في بنيتها صدىً بعيدًا لكلمة عربية هي عالٍ (بمعنى مرتفع)، وذلك استنادًا إلى قانون ملاحظ في تاريخ الألفاظ يمكن تسميته “قانون “انقلاب المعنى” (Inversion of Meaning). وهو القانون الذي بموجبه ينقلب معنى اللفظ في مرحلة لاحقة من تطوره إلى الضدّ أو النقيض.
وفق هذا التصوّر يمكن القول إن الجذر الدال على “العُلُوّ” في العربية (عالٍ) قد انتقل عبر مسارٍ لغوي طويل ومعقّد إلى بيئةٍ أوروبية؛ حيث أعيد توظيفه في سياقٍ مغاير جعل “الضديد” (الأسفل) يحل محل “الأصل” (الأعلى)، فتكوّنت الكلمة الإنجليزية low  بمعنى “منخفض”، ثم أفرزت مشتقّها below  للدلالة على “الأسفل”. من زاوية صوتية، يمكن أن نلاحظ تقاربًا ملحوظًا بين عالٍ (ʿālī) وlow  من حيث وجود مصوّتٍ مفتوح (a / o)ووجود لام في الموضع المحوري وإمكان فهم قلب بعض الأصوات أو ضياعها في سياق الانتقال من منظومة صوتية عربية تعتمد على الحلق والتفخيم إلى منظومة جرمانية أكثر ميلًا إلى الإطباق الخلفي.
3. التبادل الدلالي: من الأعلى إلى الأسفل. هنا يتدخّل قانون “انقلاب المعنى” ليقرّر أن اللفظ قد يحتفظ ببنيته الصوتية تقريبًا، بينما ينقلب معناه إلى الضدّ في لغةٍ أخرى أو في مرحلةٍ لاحقة من تطوره. وهذا الانقلاب لا يُعدّ شذوذًا، بل هو ظاهرة معروفة في تاريخ الألفاظ، تتغذى من السخرية أحيانًا أو من المفارقة الثقافية أو من القياس على ضد الشيء (ذكر العلو للتعبير عن السقوط، مثلاً). بهذا التصوّر، تغدو below  شاهدًا على أن الطّبقة الهندو–أوروبية من التأثيل لا تمثّل بداية الحكاية، بل فصلًا متأخرًا منها، وأن ما قبل “low” هو جذر عربيّ تمّ “قلب دلالته” ليصبح علامة على الانخفاض.

الجذر العربي للكلمة الألمانية Schwert
1. تقرّ التأثيلات الجرمانية–الهندو–أوروبية بأن الكلمة الألمانية Schwert (سيف) تعود إلى أصلٍ جرماني قديم swert، وأنها ترتبط بالجذر الهندو–أوروبي swerd- الدال على القطع والجرح. وكأننا أمام قصة مكتملة: جذر يدل على القطع تُشتق منه كلمة تعني السيف في أكثر من لغة أوروبية. لكن هذه القصة تتجلى لنا، عند وضعها في حوارٍ مع العربية، بوصفها جزءًا من سردية أوسع فحسب.
2. شفرة: الجذر العربي يفيد القصّ والقطع. ففي العربية، نجد أن كلمة شَفْرة تعني حدّ السكين أو السيف، بل يُطلق على السكين الصغيرة أو الخنجر القصير. والفعل شَفَرَ يحمل معاني قصَّ و جزَّ و قطع و حَزَّ. وهذه العلاقة بين الجذر (ش ف ر) وبين الفعل القاطع علاقة مباشرة صريحة، تجعل من “الشفرة” هي السلاح القاطع ذاته أو حَدَّه.
3. التطابق المذهل بين Schwert وشفرة. فإذا قرأنا Schwert الألمانية في ضوء شفرة العربية، برزت أمامنا سلسلة من القرائن:
1. التشارك الدلالي: كلا اللفظين يدور حول السلاح القاطع، السيف أو السكين أو الخنجر.
2. التقارب في المبنى الصوتي عند تفكيك الكلمة: في Schwert نسمع بوضوح: شْ/س – ف/ف – ر/ت (مع مراعاة تحوّلات الحروف الساكنة بين المجموعتين اللغويتين). ومن المألوف في تحوّلات الأصوات بين الأسر اللغوية أن يتبدل بعض الاحتكاك (fricative). وأن يُضاف حرف انفجاري ك (t) في نهاية الكلمة لخدمة البناء الصرفي أو الوزن الإيقاعي في اللغة الجديدة.
3. من الفعل إلى الأداة؛ ففي العربية، فإن كلمة شَفَرَ تفيد القطع. وفي الجرمانية، فإن الجذر الهندو–أوروبي المفترض هو swerd-   يقطع هو  Schwert / sword وهي الأداة القاطعة.
هذا التطابق في المسار المفهومي (من فعل القطع إلى أداة القطع)، مع التقارب في البنية الصوتية، يجعل من الصعب إهمال احتمال أن الجذر الهندو–أوروبي المفترض ذاته قد يكون، في مرحلة أقدم، مُدينًا لجذر عربي هو “شفر”، الذي قام بوظيفة المصدر الأصلي للدلالة على القطع والجزّ.
إننا هنا لا ندعو الى إلغاء مسار التطور داخل اللغات الجرمانية، ولكننا ندعو لاعتماد وجهة نظر بديلة تقول بإن هذا المسار نفسه قد يَدين في بدايته لطبقةٍ عربية أعمق، لم تلتفت إليها المدرسة الهندو–أوروبية لأنها جعلت من الهندو–أوروبية طبقة تاريخية أدنى لا تقبل بحال إن تحفر تحتها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أننا بحاجة إلى “أركيولوجيا لغوية” جديدة تمكننا من الذهاب بعيداً والى طبقات أكثر عمقاً من الطبقة الهندو–أوروبية التي تأبى المدرسة التأثيلية السائدة أن تغادرها. إن قراءة كلمات مثل between وbelow وSchwert من منظور التأثيل العربي البديل تؤكد لنا أن الماضي اللغوي للألفاظ الأوروبية هو أعمق من الجذور الهندو–أوروبية التي توقفت عندها المدرسة التقليدية وأقرب إلى الجذور العربية مما توحي به السردية السائدة. فحين نرى في between الصيغة الأوروبية المتأخرة للجذر العربي ب ي ن؛ وفي below أثرًا مقلوب المعنى للجذر العربي عالٍ بموجب قانون الانقلاب المعنى؛ وفي Schwert استمرارًا صوتيًا ودلاليًا للجذر العربي شفر الذي أنتج “الشفرة” في العربية فإننا نكون أمام شواهد إضافية تُضاف إلى مئات الأمثلة التي تؤكد أن التأثيل الهندو–أوروبي، كما يُمارَس اليوم لا يذهب بعيدًا بما يكفي في الحفر التاريخي، لأنه يتعامل مع الهندو–أوروبية على أنها “طبقة الأساس”، في حين أن ثمة طبقة أقدم، عربية على وجه التحديد، لا بد من استحضارها إذا أردنا كتابة تاريخٍ أكثر دقة وصدقية للمفردات الأوروبية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروعٍ معرفي متكامل لأركيولوجيا الألفاظ، يعيد قراءة المعاجم الأوروبية في ضوء جذورها العربية، لا بوصفها “لغةً أجنبية” تقف على الضفة الأخرى، بل بوصفها خزانًا للجذور اللغوية أصيلاً ظلّت آثاره تتجلى، عبر القرون والبحار والهجرات، إلى أن انتهت إلينا اليوم على هيئة كلماتٍ أوروبية لا تزال تحمل في عمقها الصوتي والدلالي توقيع الجذر العربي الأول.

أضف تعليق