حين يطغى الإنسان… هل الشرُّ البشري متوارَثٌ أم مكتسَب؟

ما الذي يجعل الإنسانَ شريراً؟ سؤالٌ تعددت الإجاباتُ عليه بتعدُّدِ المقاربات التي تناولته. ولكن في المجمل، فإنَّ بإمكانِنا أن نصنِّفَ هذه الإجابات على نحوٍ يتيح لنا أن نحصلَ على محورَين رئيسيين: الأول هو المحور الذي يضمُّ كلَّ إجابةٍ تحمِّل الإنسانَ وزرَ شرِّه بتحميلِها إياه المسؤوليةَ كاملةً عن خياراتِه التي هي المحدِّد الوحيد لما يجعله يصنَّف شريراً أو خيِّراً. أما المحور الثاني، فهو ذاك الذي يبرِّئُ الإنسانَ من أي مسؤولية عما اقترفته يداه من شرير الأفعال، وذلك بإرجاعِ تلك المسؤولية إلى عواملَ وراثية أو مجتمعية. فأين تكمنُ الحقيقة؟
لا موجب هنالك على الإطلاق للخوضِ في تاريخ هذه المقاربات والإجابات، وذلك لأنها لن تعينَ على تحديد أيٍّ منها يمثِّل الإجابةَ الصحيحة، طالما كانت المرجعيةُ المعتمدة للوصولِ إلى تلك الإجاباتِ بشريةَ المصدر. وحده مَن يتواجد خارج المنظومة البشرية هو مَن يملك الإجابةَ الصائبةَ والوحيدة، وما ذلك إلا لأنه سيكون بالضرورة مَن يقف من وراءِ خلقِ الإنسان، والأدرى بالتالي بما يصيِّرُه شريراً أو خيِّراً. فإذا ما نحن شرعنا بتدبُّرِ النصِّ القرآني، بصفتِه منزَّلاً من هذا الإلهِ الخالقِ العالِمِ بخَلقِه، فلن يطولَ بنا الأمرُ حتى يتبيَّنَ لنا أنَّ الشرَّ البشري قدَرٌ وابتلاءٌ إلهييَن، وأنَّ الإنسانَ هو مَن يختار أن يكونَ شريراً أو خيِّراً. فكلُّ إنسانٍ قد ابتلاه اللهُ بقدَر “النفس”؛ هذا القدَر الذي لا تمايزَ بين بَني آدمَ في حصتِهم المتساوية منه. فكلٌّ منا قد ابتلاه الله بالنفسِ ذاتِها، وما تمايزُ بعضِنا عن بعضٍ إلا بما يختاره واحدُنا من إطاعةٍ لنفسِه الأمارة بالسوء أو عصيانٍ لها.
فالإنسانُ منا إذ تتغيَّر مقارباتُه وردودُ أفعالِه من الخيرِ إلى الشر بمضي الأيامِ والأعوام، فإن ذلك لا يعود إلى ما طرأ عليه جراء اكتسابِه ما في محيطِه من شر، وإنما إلى ما تسببت فيه خياراتُه المستجدة من أضرارٍ حاقت بكيانِه طالما ارتضى أن يسلِمَ قيادَه لنفسِه بأكثر مما كان يفعل من قبل. فإذا كنا، معشر البشر، قد توارثنا عن أبوَينا آدمَ وزوجِه قدَرَ الابتلاءِ بالنفس، فإنَّ الشرَّ الذي سيصدرُ عنا لا محالة، إن نحن اخترنا أن ننصتَ لما تأمرُنا به النفس، سوف يكون في هذه الحالة، وبهذا المعنى، وبهذا المعنى فقط، متوارَثاً بالضرورة.

أضف تعليق