
يمثّل المثل الشعبي نتاجًا لتجربة إنسانية طويلة تمتزج فيها الخبرة المتراكمة بالحدس الاجتماعي، وتنعكس فيها رؤية الجماعة البشرية للعالم، بما يجعله في كثير من الأحيان حكمة اختزلت طبقات من التجربة الإنسانية في عبارة وجيزة.
ومع ذلك، يتعرض هذا التراث الشفهي المستبطن للتزييف حين يختلط فهمه بالعرف السائد، وتتحكم الأهواء الثقافية المتغيرة في إعادة تفسيره حتى يبتعد عن حكمته الأولى انحرافًا أو تغييبًا.
ويمثّل مثل “كلّنا في الهوى سوا” حالةً دالة على هذا الانحراف. فالمعنى الشائع الذي غلب عليه اليوم هو أن الناس جميعًا يشتركون في عذاب الحبّ وتقلبات الهوى العاطفي. لكن هذا الفهم، على شيوعه، لا يستند إلى أصلٍ ديني أو لغوي صائب، بل إلى إسقاطات وجدانية حديثة نقلت معنى الهوى من مجاله الأصلي إلى معنى طارئ. فعند العودة إلى النص القرآني، نلاحظ أن كلمة “الهوى” لم تُستخدم في أي موضع بمعناها العاطفي، بل استُخدمت دائمًا للدلالة على الميل النفسي المضلِّل الذي يصدّ الإنسان عن الحق ويحيد به عن الاستقامة. وتُظهر الآيات الآتية هذا التوظيف المتسق:
(فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) من 135 النساء
(وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) من 26 سورة سبأ
(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) 3 النجم
(وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) 40–41 النازعات
(وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) 28 الكهف
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ) 50 القصص
جميع هذه الآيات تجمعها بُنية دلالية واحدة مفادها أن الهوى هو قوة النفس حين تستبد بالإنسان فتنزعه إلى الضلال والظلم والباطل. وبهذا يكون الهوى في اللسان القرآني قريبًا من مفهوم النفس من حيث كونه منشأ الانحراف الأخلاقي، لا منشأ العاطفة الغرامية. فإذا أخذنا المعنى القرآني للهوى معيارًا، فإنه يصبح من الجلي أن الفهم الشعبي للمثل “كلّنا في الهوى سوا هو كلّنا نعاني الحب”؛ فهمٌ مُجانب للحكمة التي أرادها صانع المثل. فالحكمة الأصلية هي أقرب إلى القراءة التالية: كلّ البشر سواءٌ في ابتلائهم بالنفس التي تجرّهم إلى الهوى وتدعوهم إلى انحراف السلوك، فمنهم من يقهرها، ومنهم من يُقهر بها. وعلى هذا النحو يتحوّل المثل من عبارة وجدانية تُعزّي العشّاق إلى حكمة إنسانية كونية تنبّه إلى اشتراك البشر في ضعف واحد متأصل هو سلطان النفس.
عبر هذا التأويل، يتبين لنا أن المثل الشعبي لا يتحدث عن العاطفة، بل عن المكوّن المشترك في الطبيعة البشرية، النفس، التي هي وفقاً للتصوير القرآني أصل الابتلاء وأساس التمييز بين من يهتدي ومن يضل. هذه القراءة تضفي على المثل بُعدًا أنثروبولوجيًا يجعل منه وصفًا للحال الإنساني نفسه وليس لحالة عاطفية عابرة.
إن تحريف معنى المثل ليس حدثًا عفويًا، بل جزء من ظاهرة معرفية أوسع يمكن تلخيصها في:
1. الانجذاب إلى المعنى الأسهل والأكثر توافقًا مع المزاج العام.
2. قلة العناية بالجذور اللغوية والدينية التي تكشف الدلالات الأصلية.
3. هيمنة النفس (أو الهوى) على فعل القراءة نفسه، فتدفع الإنسان نحو التفسير الذي يرضي وجدانه، وليس الذي يقربه إلى الحقيقة.
بهذا المعنى، يصبح تحريف المثل نفسه تجسيدًا لموضوعه: فالهوى الذي حذرت منه الآيات هو ذاته الذي حرّف الحكمة الشعبية وأحالها معنى يخالف مقصدها.
تُبرز هذه القراءة الحاجة إلى مقاربة جديدة لبنية الأمثال الشعبية، تتعامل معها لا بوصفها عبارات للتسلية، بل كطبقات معرفية عميقة تُشفِّر التاريخ الأخلاقي والنفسي للمجتمع وخزائن للمعرفة المتوارثة عبر الأجيال. وإذا كان المثل المصري “كلّنا في الهوى سوا” قد ضاع بعض معناه الأصلي بسبب تحكيم الهوى في استقباله، فإن إعادة قراءته وفق المعنى القرآني تردّه إلى حكمته الأولى: كلّ البشر مشتركون في ابتلاء النفس، وبصراعهم مع أهوائها تتحدد مصائرهم الأبدية. وبذلك يستعيد المثل مكانته كجزء من التراث الأخلاقي العميق، وليس كعبارة سطحية يتم تداولها في سياق الحب والعشق.
