
لا يمكنُ لنا أن نتبيَّنَ شيئاً يقرِّبُنا من الفهمِ الصائب لآليةِ الفِعلِ الإلهي في الوجود، وذلك على قدرِ ما قُدِّرَ لنا أن نحيطَ به، إلا من بعد أن ندركَ أنَّ لله نمطَين لكيفيةِ تعاملِه مع وقائعِ الوجودِ وأحداثِه، يتمايزُ أحدُهما عن الآخر تمايزاً كشف لنا اللهُ النقاب عنه في قرآنِه العظيم بقولِه تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82 يس). فهذا النمط لكيفيةِ تعاملِ اللهِ مع وقائع الوجودِ وأحداثِه لا يتطلب وجودَ قوانين وأسباب سبَّبَ اللهُ تعالى بها لهذه الوقائعِ والأحداث التي مُكِّنَ الإنسانُ من الإحاطةِ المعرفيةِ بها إن هو جدَّ واجتهد وأعملَ فيها عقلَه حتى كُشِفَ له عن قوانينِها التي هي قوامُ العِلم والأصلُ من وراءِ معرفتِنا بالوجود وبكلِّ ما يقتضيه الأمرُ منا حتى نفيدَ منها في الارتقاءِ بحياتِنا. فإذا كانت هذه القوانين هي التي سبَّب بها اللهُ لكلِّ ما يحدث في الوجود بإذنِه، فإن هناك وقائعَ وأحداثاً في هذا الوجود لا قدرةَ لهذه القوانين على أن تتسبَّب بها على الإطلاق. وهذه الوقائع والأحداث هي التي أشارَ إليها اللهُ تعالى بأنها وقائعُ وأحداث “كُن فيكون”، ومنها الولادةُ العجائبية للسيد المسيح التي لا يمكن لقوانينِ العلمِ أن تفسِّرَها وتعلِّلَ لها. فلولا الكلمةُ الإلهية “كُن” لما كان السيدُ المسيح. ولذلك وصفَ اللهُ تعالى السيدَ المسيح بأنه “كلمتُه”، وذلك في الآيةِ الكريمة 171 من سورةِ النساء: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ). فالله تعالى يخبرُنا في قرآنِه بأنه قد نفخَ في السيدةِ مريم من روحِه: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا( (من 91 الأنبياء). وهذه النفخةُ الإلهية هي قولُه لها “كُن”. فكلمةُ “كُن” إذاً هي كلمةُ الله التي ألقاها إلى السيدةِ مريم، وهي عينُ الكلمةِ التي نفخَها فيها: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (47 آل عِمران).
وكلمةُ “كُن” هي ذات الكلمة التي نفخها اللهُ في آدمَ من روحِه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (59 آل عِمران). وكلمةُ اللهِ “كُن” هي التي أشارَ إليها قرآنُ الله في الآية الكريمة 27 من سورةِ لقمان: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فكلمةُ اللهِ “كُن” إذاً لا نهايةَ لما بمقدورِها أن تتسبَّبَ فيه من الوقائع والأحداث التي تعجز قوانينُ الوجود كلُّها جميعاً عن التسبُّبِ فيها والتعليلِ لها.
ومن هذه الوقائع العجيبة، والأحداث الغريبة، ما فصَّله لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بشأنِ ولادةِ النبي إسماعيل وأخيه إسحق اللذين ما كانا ليولدا لولا تدخلٍ مباشرٍ من لدن اللهِ تعالى بكلمةِ “كُن”، قهرَ اللهُ تعالى بها ما كان يعوقُ تولُّدَهما: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (71- 73 هود). فتدخلُ اللهِ المباشرُ هذا هو الذي جعلَ المستحيلَ ممكناً، والمعجِزَ منجَزاً. فكلُّ ما كان يحولُ دون أن يتخلَّقَ النبي إسماعيل وأخوه النبي إسحق من عوائق بايولوجية قد تمَّ قهرُه بكلمةِ اللهِ “كُن”.
ويقدِّم لنا القرآنُ العظيم مثالاً آخر على هذا الفِعل الإعجازي لكلمةِ اللهِ “كُن” في قصةِ تخلُّقِ وتولُّدِ النبي يحيى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (40 آل عِمران)، (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) (89- من 90 الأنبياء).
إنَّ ما تقدَّم ذِكرُه من أمثلةٍ على هذا التدخُّلِ الإلهي المباشر بالكلمةِ المقدسة “كُن” يُعينُنا على تبيُّنِ بعضٍ من الأبعاد الخارقة التي اشتمل عليها الخَلقُ الإعجازي لأبي البشر آدم: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (71- 72 ص). فآدم قد نفخ اللهُ تعالى فيه من روحِه بقولِه له “كُن”، فكان إنساناً في أحسنِ تقويم مبرَّءاً من كلّ نقص.
ولكن يحقُّ لنا أن نسألَ السؤالَ التالي: إذا كان آدمُ قد خُلِقَ إنساناً في أحسنِ تقويم، فلماذا لم تحُل خِلقتُه الكاملةُ هذه دون أن تمتدَّ يدُه إلى الشجرةِ التي نهاه اللهُ تعالى عنها؟ كما ويحقُّ لنا أن نتساءل “وهل كان السيدُ المسيح، أو النبي إسماعيل أو النبي إسحق أو النبي يحيى، ليُقدمَ على فعلِ ذلك؟”. سؤالان سوف أتطرقُ إلى الإجابةِ عليهما في مقالةٍ لاحقة إن شاء الله.
