
احتلّ هجوم بيرل هاربر موقعاً مركزياً في الذاكرة التاريخية الأمريكية والعالمية على حدّ سواء، لا بسبب حجم خسائره المباشرة، بل بسبب ما ترتّب عليه من تحوّلات عميقة في بُنية العلاقات الدولية. فالضربة التي أرادتها اليابان استباقية ورادعة انتهت إلى تحقيق نتيجةٍ معاكسة تماماً، إذ منحت الإدارة الأمريكية غطاءً سياسياً وشعبياً لقرار دخول الحرب العالمية الثانية؛ القرار الذي غيَّر مجرى التاريخ الحديث.
بعد مرور أربعة وثمانين عاماً على تلك الحادثة، تتيح لنا القراءة الموضوعية المحايدة الابتعاد عن البعد الدرامي للحدث، والتركيز بدلاً من ذلك على موقعه ضمن ديناميكيات القوة العالمية وصعود الإمبراطوريات.
على المستوى التكتيكي، نجحت اليابان في تنفيذ ضربة مفاجِئة كبّدت البحرية الأمريكية خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات. إلا أن التقييم الاستراتيجي للحدث يُظهر محدودية أثره؛ إذ لم تُدمَّر حاملات الطائرات الأمريكية، القوة الحاسمة آنذاك، كما لم تُشَل القدرة الصناعية العسكرية للولايات المتحدة. ومن خلال مراجعة الأدبيات التاريخية ذات الصلة، يتضح أن الضربة لم تُحقّق هدفها الرئيس: إجبار الولايات المتحدة على التفاوض أو الانكفاء. بل على العكس، عززت تصميم الإدارة الأمريكية على خوض الحرب، ووفّرت نقطة إجماع جماهيري غير مسبوق لدعم القرار العسكري.
فدخول الولايات المتحدة الحرب لم يكن مجرّد ردّ فعل عاطفي على الاعتداء، بل تطوراً منسجماً مع تحوّلات بنيوية كانت تتراكم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى فتوسّع القدرة الصناعية الأمريكية وصعود القوة المالية للدولار والتمدد البحري لمراقبة خطوط التجارة وتراجع القوى الأوروبية بفعل أعباء الحرب. جاءت ضربة بيرل هاربر لتُسرّع عمليةً كانت مهيّأة للحدوث، فمثّلت الشرارة التي دفعت الولايات المتحدة للانتقال من العزلة النسبية إلى الانخراط العالمي الشامل.
بعد انتهاء الحرب، خرجت الولايات المتحدة بوصفها القوة الوحيدة تقريباً التي تمتلك قاعدة صناعية سليمة وقدرة مالية هائلة وتفوقاً نووياً وبحراً مفتوحاً تحرسه أساطيلها. ولقد أدّى ذلك إلى إنشاء نظام دولي جديد اقتصادي وأمني وسياسي، تدور مراكزه حول الهيمنة الأمريكية، وذلك كما يتجلى لنا بتذكر ما أدى الى قيام خطة مارشال واتفاقية بريتون وودز والأمم المتحدة بترتيباتها والحلف الأطلسي وانتشار القواعد العسكرية. لقد كان صعود الولايات المتحدة أشبه بانتقالٍ تلقائي إلى موقع الهيمنة في بنيةٍ عالمية كانت قد فقدت بدائلها التقليدية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان).
عند تحليل الحدث في إطار تاريخ طويل المدى، تبرز أهميته بوصفه مثالاً على ما يسميه بعض المؤرخين القانون الدوري لصعود الإمبراطوريات وانحسارها؛ حيث تتعاقب القوى المهيمنة نتيجة تحولات اقتصادية عميقة واختلالات في توزيع الموارد وتكاليف التوسع العسكري والهيمنة على طرق التجارة والتغيرات التقنية الكبرى.
بناءً على هذا المنطق، يمكن النظر إلى ضربة بيرل هاربر باعتبارها النقطة التي مهَّدت لبداية الهيمنة الأمريكية. وبالمقابل، ووفق نفس القانون، فهي أيضاً النقطة التي ستقف لاحقاً شاهداً على انتهاء تلك الهيمنة حين تتوفر الشروط البنيوية لانحسارها. لا يدّعي هذا التحليل يقيناً أو حتمية، بل يضع الحدث ضمن سياق تاريخي تُقرأ فيه الإمبراطوريات كظواهر تخضع لدورات القوة لا للخلود السياسي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن هجوم بيرل هاربر لم يكن حدثاً عسكرياً عابراً، بل كان حدثاً بنيوياً مفصلياً أعاد رسم النظام الدولي. فقد عجّل بدخول الولايات المتحدة الحرب، ومن ثم صعودها إلى موقع الإمبراطورية الأقوى في العصر الحديث. وإذا كان هذا الحدث قد أسهم في إطلاق مرحلة الهيمنة الأمريكية، فإن منهج قراءة التاريخ بوصفه حركة دورية يتيح لنا القول بأن “لحظة بيرل هاربر” نفسها، من منظور طويل المدى، ستغدو يوماً ما شاهداً على بداية دورة الانحسار. وبذلك، يظل بيرل هاربر مثالاً نموذجياً على كيفية انتقال حدث واحد من نطاقه العسكري المحدود إلى موقعٍ تأسيسي في بُنية التاريخ العالمي.
