
يعيش الإنسان في عالم تتخلله مستويات متعددة من “اللااتساق”، وذلك على المستوى الاجتماعي والسياسي والبيئي والنفسي. وعلى خلاف هذا الاضطراب البشري، يقدّم الكون صورة عالية التناغم، تستمر في انتظامها عبر ملايين السنين دون أن تفقد اتساقها البنيوي. هذا التفاوت بين اتساق الطبيعة وفوضى الإنسان يستدعي سؤالًا جوهريًا: ما العلّة التي تجعل عالَم الطبيعة متّسقًا، وتجعل عالم الإنسان في حالة من الاضطراب البنيوي المزمن؟ إن الإجابة القرآنية تأتي حاسمة وقاطعة: “الإحاطة الإلهية بكل شيء”. لكن هذا المعنى، وحتى يثمر معرفيًا ينبغي أن يُعاد تفكيكه وربطه بحدود العقل البشري وتداعياتها الوجودية.
ولإضفاء بعد تاريخي على مقاربة العقل البشري لهذا الموضوع لابد لنا من أن نستعرض بعضاً مما قاله بعض الفلاسفة والمفكرين في الحدود المعرفية التي تعين على الإنسان ألا يتخطاها. فلقد قدم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كتابه “نقد العقل المحض” إحدى أهم الصياغات الفلسفية لفكرة أن العقل البشري لا يمكنه إدراك الوجود كما هو، بل كما يُعاد تشكيله عبر مقولات الفهم وصور الحس.
وهذا يعني أن الإنسان لا يدرك الواقع مباشرة، وأن إدراكه محدود بقوالب ثابتة (الزمان والمكان والسببية) وأن أيّ شيء يتجاوز هذه القوالب لا يمكن إدراكه إحاطةً.
من هنا تتضح صعوبة أن يتوقع الإنسان الآثار المستقبلية لأفعاله، لأنه أسير بنيته الإدراكية الضيقة. أما الفيلسوف الألماني كارل بوبر، فلقد ذهب أبعد من كانط، وذلك بقوله إن “المعرفة الإنسانية ليست يقينًا ولكنها افتراضات مؤقتة، وإن العقل الإنساني، مهما بلغ من الذكاء، لا ينتج إلا نظريات عرضة للخطأ”. وهذا يجعل أفعال الإنسان مبنية على معرفة غير كاملة على الدوام، وهو ما يُفسّر القرارات السياسية التي ظُنّ أنها صائبة ثم انتهت بكوارث، والمشاريع الاقتصادية التي بُنيت على نماذج ناقصة، والثورات العلمية التي سقطت لأنها لم تُحِط بكل المتغيرات. وبذلك يصبح قول الله تعالى: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) إطارًا لفهم هشاشة القرار البشري مقارنة بكمال الإحاطة الإلهية.
أما الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، فلقد قدّم مبدأ “القطيعة الأبستمولوجية”، مؤكدًا أن العقل يتقدّم فقط حين يُصدم بما يتجاوز قدراته الراهنة. وبالتالي فإن الإنسان يخطئ لأنه يظن أنه يفهم ويتمادى في الخطأ لأنه لا يدرك حجم ما يجهله.
من هذا المنظور، يصبح الاضطراب الإنساني نتيجة طبيعية لكون العقل أداة قاصرة لا ترى من الوجود إلا جزءًا متناهياً في الصغر لا يكشف حقيقة ما تتشابك فيه الأشياء.
يؤكد كلٌ من التاريخ والبيئة، عبر شواهد لا تحصى، أن الأفعال البشرية تنتج آثارًا بعيدة المدى لم تخطر ببال الإنسان حين اتخذ قراراته وشرع يعمل على تنفيذها.
والآن، فلنأخذ بعض الأمثلة على ذلك؛ فروّاد الثورة الصناعية لم يكونوا يدركون أن الفحم الذي حرّك قطاراتهم سيقود بعد قرن ونصف إلى الاحتباس الحراري وانهيار أنظمة بيئية كاملة وتهديد الأمن الغذائي لمليارات البشر. وهذا مثال نموذجي لأثر لم تتنبأ به العقول البشرية المحدودة. ومثال آخر على جهل الانسان بتبعات وعواقب اعماله يقدمه البنسلين الذي أنقذ اكتشافه الملايين. ولكن الاستخدام غير المحسوب للمضادات الحيوية أنتج سلالات مقاومة وأمراضًا جديدة وتهديدًا مستقبليًا لا يزال يتفاقم. هنا يتجلى الفارق بين إحاطةٍ إلهية لا تنشأ عنها آثار غير محسوبة، وبين فعل بشري محدود المعرفة ينتج آثارًا جانبية غير مرئية. مثال آخر على ذلك تقدمه خرائط الاستعمار الحديث. فصانعو حدود إفريقيا والشرق الأوسط أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لم يكونوا يدركون أنهم يزرعون بذلك بذور حروب أهلية وموجات لجوء وانقسامات عرقية ممتدة؛ فتداعيات قرار واحد قد تستمر مئة عام أو أكثر، وهذا ما يعجز العقل عن تقديره حين يخفق في تبين حقيقة كونه عاجزاً عن أن يحيط بكل شيء.
ولكن يحق لنا أن نتساءل لماذا يعجز الإنسان عن أن يأخذ بنظر الاعتبار كل المتغيرات؟ تُظهر العلوم العصبية الحديثة، بدقة مذهلة، أن الدماغ الإنساني محدود القدرات مهما بدا واسعًا للوهلة الأولى، وذلك كما يلي:
1. الذاكرة العاملة Working Memory: فالدماغ لا يمكنه معالجة أكثر من 4–7 وحدات من المعلومات في اللحظة الواحدة. وهذا يعني أن أي قرار يتضمن عشرات المتغيرات أو تأثيرات عابرة للزمن أو عواقب مركّبة، هو قرار يتجاوز قدرة الدماغ المعرفية.
2. انحياز الفعل القريب Present Bias: فالبنية العصبية للإنسان منحازة إلى ما هو قريب وملموس وآني، لذلك يصعب عليه أن يتخيل آثارًا بعيدة أو يتصرف لأجل أحفاده أو يقدّر سيناريوهات مستقبلية متشابكة.
إن مستقبل المناخ والحروب طويلة الأمد والديون السيادية، كلها أمثلة على عجز الإدراك البشري عن احتساب النتائج المؤجلة.
3. الدماغ البشري ليس آلة حساب كونية، وذلك على خلاف النموذج الإلهي القائم على الإحاطة الشاملة، فالدماغ يختصر ويحذف ويعمم ويخطئ باستمرار. وهذا ما يجعل الإنسان، مهما بلغ من العقل السديد، عرضة لارتكاب أخطاء ومن دون أن يدرك ذلك.
والآن، يحق لنا أن نتساءل: لماذا ينتظم الكون وتتفكك مشاريع الإنسان؟
يُظهر التدبر الأبستمولوجي لقول الله تعالى ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ أن انتظام الكون ليس مصادفة، بل نتيجة بنيوية لإحاطة لا تتجزأ وعلمٍ لا يغيب عنه شيء وقدرة لا تخطئ وفعل لا ينتج آثارًا جانبية خارج قصده. في المقابل، الإنسان يقف على الطرف النقيض فعلمه محدود ورؤيته ناقصة وأفعاله متحيزة ونتائجه غير مضمونة ونظامه يشبه “فوضى منظمة” أكثر منه نظامًا حقيقيًا.
ولكن، أليس هنالك من مخرج من هذا المأزق المعرفي الذي يتخبط فيه الانسان حتى لا يعاني أحفادنا جراء ما جنته أيدينا، كما نعاني نحن اليوم مما اقترفه الأجداد؟ لكي نحقق ذلك لابد لنا من تأسيس منظومة أخلاقية جديدة تقوم على:
1. الإقرار بحدود العقل، فلا يقين في المعرفة البشرية ولا فعل بلا آثار جانبية.
2. حساب الامتدادات الزمانية: فالتفكير في العواقب لا ينبغي ان يقتصر على اليوم او الغد القريب، ولكن عليه أن يمتد ليشمل القرن القادم.
3. تعظيم مبدأ الاحتياط المعرفي Precautionary Principle:ما لا نعرفه ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار قبل ان نشرع باتخاذ قراراتنا.
4. التقيد بما يمليه علينا تدبر قول الله تعالى (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) بوصفه إطارًا إبستمولوجيًا. فقول الله تعالى هذا ليس وصفًا لعلم الله فحسب، بل هو وصفٌ للقصور المعرفي المميز للإنسان أيضاً.
5. تبني منهجية متعددة التخصصات؛ فالعقل والبيئة والتاريخ وعلم الأعصاب، كلها أجزاء من الصورة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إدراك معنى قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) ليس تأملًا لاهوتيًا فحسب، بل هو مدخل إلى فهم جذري لأزمة الإنسان المعرفية. فمحدودية العقل تجعل العالم البشري عرضةً للاضطراب، بينما الإحاطة الإلهية تجعل الكون مجالًا للانسجام والاتساق. وحين يعي الإنسان حدود عقله، ويُدرك أن أفعاله تمتد في الزمان والمكان بما يفوق طاقته على التقدير، فإنه يكون بذلك قد خطا الخطوة الأولى نحو “نظام أخلاقي جديد” يعصمه، قدر الإمكان، من تكرار أخطاء الماضي وتمنح أحفاده فرصة لعيش عالم أقلّ فوضى وأكثر قربًا من التناغم الذي يشهده الكون منذ ملايين السنين.
