الأصل العربي العميق لكلمتَي Snow و Ice… نحو إعادة كتابة تاريخ الهجرات المناخية القديمة في أوروبا

يكشف التأثيل اللغوي التقليدي للكلمتَين الإنجليزيتين snow و ice  عن أصول هندوأوروبية جرى تثبيتها في كتب اللسانيات التاريخية. غير أن إعادة فحص البنى الصوتية والدلالية، مقارنةً بالجذور العربية القديمة، تفتح مسارًا تأثيليًا بديلًا يقدّم قراءة أكثر اتساقًا ومنطقًا وتاريخيةً، وتُسلط ضوءًا جديدًا على حقيقة الهجرات العربية القديمة نحو شمال أوروبا في عصورٍ لم تكن فيها الجزيرة العربية صحراء، بل كانت تتمتّع بمناخ بارد أو معتدل يسمح بوجود الثلوج والجليد.

الأصل العربي للكلمة الإنكليزية Snow
تبدأ الكلمة العربية ثَلْج بتحوّل مألوف في اللسانيات التاريخية وهو تحوّل الثاء إلى سين. وهذا التحوّل معروف داخل العربية ذاتها (اللهجة المصرية مثالًا واضحًا) ومعروف في اللغات السامية الأخرى ويُعدّ من أبسط التحولات الممكنة في الانتقال بين اللغات. وعليه يصبح لدينا الشكل الأولي: تحول كلمة (ثلج) الى (سَلج). أما التحوّل الثاني: اللام الى نون، وهو تحوّلٌ آخر مألوف في تطوّر الكلمات بين اللغات، وخصوصًا بين اللغات السامية والإفريقية والآسيوية كتحول كلمة (سَلج) الى (سَنـج). إن التحوّل من (لام إلى نون) يظهر في عدة مسارات لغوية، ويُفسّر ما نجده في أكبر مجموعة لغوية أوروبية احتفظت بالبنية الأقرب للأصل وهي اللغات السلافية. أما التحوّل الثالث فهو الجيم المصرية (g) الى الجيم الأوروبية (g/gh). فقد حافظت اللغة الروسية على الحرف الأخير (ج) ولكن بالنطق المصرية (g)، وهذا أمر بالغ الأهمية. فالكلمة الروسية( снег سنيج) تمثّل تقريبًا البنية (سَنِج الى سْنِج الى سْنِيج). وهي نفس الصيغة التي يمكن للعربي أن يقرأها لو نُقحرت إلى العربية: سنيج (بجيم مصرية ناعمة)، أي الجذر العربي الأصلي بعد مرحلتين من التحوّل. وهكذا تحولت كلمة ثلج الى سلج ثم سنج وانتهت بـ سنيج (الروسية).
أدى انتقال الكلمة (سنيج) من شكلها السلافي عبر أوروبا الى تعرّضها لتغييرات “نحت لغوي” متعدّد، لكن البنية الأساسية SN-G بقيت ظاهرة في عدد كبير من اللغات: ففي الألمانية Schnee؛ حيث تحوّلت السين إلى شين (تحوّل معروف في الجرمانية)، بينما بقيت بنية sn محفوظة في الهولندية sneeuw وفي الإنجليزية snowالتي احتفظت بــ sn وحذفت أثر الجيم القديمة كحرف، لكنها حافظت عليها كإطالة صوتية في النهاية (ow). أما في الفرنسية القديمة فقد ظهرت بصيغة:
Niege أصبحت: neige ← nive / nivem)لاتينية). وهنا نلاحظ سقوط كامل لحرف s وبقاء n وتحوّل g إلى صوتٍ حلقي أخف، ثم اختفاؤه أو دمجه في الإضافات الصوتية (الصوائت) أي أن الصيغة الفرنسية neige ليست إلا المرحلة الأوروبية الأخيرة من:
Neige تحولت الى sneeg ثم الى snoeg وانتهت لـ snow . وبذلك تتضح السلسلة بشكل منطقي: ثلج تحولت الى سنج ثم تحولت الى سنيج  sneig ثم تحولت الى
  Neigeثم snow. وهو تسلسل يلهث خلف الأصل العربي، لا العكس.

الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Ice
تدلّ كلمة قاسٍ في العربية على الصلابة والشدة والتجمّد المعنوي والمادي
وهي المعاني نفسها التي تصف الجليد (ice).وفي اللسانيات التطورية، كثيرًا ما يسقط الحرف الحلقي (القاف) أو يضعف حتى يختفي: قاسٍ الى آس (ق الى همزة). وهنا يتحقّق التطابق الصوتي المباشر مع: ice. وعند مراجعة اللغات الجرمانية يتبين الآتي: فالإنجليزية  iceوالألمانية  Eis والهولندي  ijs والإسكندنافية is. كلّها تحافظ على بنية صوتية ناتجة عن: آس   is / ice.أي أن الأصل العربي هو كلمة (قاسٍ) وبتخفيف القاف تحولت الى آس   ice.يمثّل تحوّلًا صوتيًا طبيعيًا ومباشرًا لا يحتاج إلى أي افتراضات صوتية معقّدة كما يفعل التأثيل الهندوأوروبي.
ولكن ماذا يعني كل هذا؟ إن تتبّع جذري:ثلج (snow) وقاسٍ (ice) من موضعهما الأصلي في العربية، إلى حيث انتشرا وتحوّلا في شمال أوروبا، يفترض وجود مجتمع عربي قديم عاش في بيئة باردة تسمح بتسمية الثلج والجليد قبل أن يبدأ انتقال هذه الكلمات من العربية إلى اللغات الأوروبية المبكرة وهذه النتيجة تتوافق بصورة مذهلة مع ما توصل إليه علم المناخ القديم (Paleoclimatology) الذي يؤكد أن الجزيرة العربية كانت تتمتع بفترات رطبة وباردة وشهدت وجود أنهار وبحيرات وكانت مأهولة بهجرات بشرية واسعة نحو الشمال. وبذلك تصبح الكلمات الأوروبية الثلج والجليد شاهدًا لغويًا على تلك الهجرات.
إن قبول الأصل العربي لكلمتَي snow  و ice يفتح الباب لتصويب كثير من الفرضيات الهندوأوروبية التي تعاملت مع الصوت sn باعتباره بدئيًا وفصلت بين الثلج والجليد في جذور مختلفة وافترضت أن اللغات الأوروبية نشأت في بيئة شمالية دون أثر عربي
لكن تتبّع التحولات العربية يبيّن أن  sn ليست بدئية، بل تطوّر من ثلج و ice ليست جذرًا مستقلًا، بل صيغة مخففة من قاسٍ والبنية الصوتية في اللغات الأوروبية تحتفظ ببقايا عربية واضحة لمن يتتبعها بمنهج المقارنة العربية البديلة.
يتبين لنا وبتدبر ما تقدم أن هذا التأثيل البديل لا يكتفي بإعادة قراءة تاريخ الكلمات الأوروبية، بل يعيد قراءة تاريخ أوروبا نفسها، فالعرب القدماء حملوا معهم مفرداتٍ للثلج والجليد وانتقلت هذه الجذور عبر الهجرات القديمة فتطورت في البيئات اللغوية الجرمانية والسلافية والرومانسية وظلّت تحافظ، رغم التحوّلات، على آثارٍ صوتية لا تخطئها العين اللسانية. وبذلك يصبح الثلج الأوروبي سفرًا لغويًا بدأ من الصحراء قبل أن تكون صحراء، وانتهى بين ثنايا اللغات الأوروبية الحديثة.

أضف تعليق