
وصفَ القرآنُ اللهَ تعالى بأنه “خَيْرُ الْحَاكِمِينَ”:
1- (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (109 يونس).
2- (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (من 80 يوسف).
3- (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (87 الأعراف).
فما الذي يعنيه أن يكونَ اللهُ “خَيْرَ الْحَاكِمِينَ”؟
تكمن الإجابةُ على هذا السؤال في تدبُّرِ الحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادها أنَّ الكونَ لا تحكمُه الأسبابُ والقوانين التي أذنَ لها اللهُ تعالى بأن تُسيِّرَ شؤونَه فحسب. فاللهُ تعالى يتحكمُ في الكون، وفي هذه الأسبابِ والقوانين، بقوةِ “كُن فيكون” التي بيَّن لنا اللهُ في قرآنِه أنها تجلٍّ لَحَظي لإرادتِه. فما أن يريدَ اللهُ تعالى شيئاً فيقولَ له “كُن” حتى “يكون”، وذلك من دون أن يحتاجَ الأمرُ زماناً لكي يتحقق. فإرادةُ اللهِ إذاً هي فِعلُه اللَحَظي، ومشيئةُ اللهِ تعالى لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يحولَ دون تحقُّقِها اللَحَظي. ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ قولَ اللهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82 يس).
ولذلك فإنَّ اللهَ هو “خير الحاكمين” لأن بمقدورِه أن يحقِّقَ مرادَه بمجردِ قولِه للشيءِ إذا أرادَه “كُن” فيكون. ولذلك أيضاً كان فِعلُ اللهِ تعالى القائمُ على أساسٍ من قانونِ “كن فيكون” لا رادَّ له. ويكشف لنا تدبُّرُ الآياتِ الكريمة التي يرد فيها “خير الحاكمين” أعلاه هذا الأمرَ بكل وضوح. فاللهُ تعالى حين يتجلَّى بصفتِه “خير الحاكمين”، فلن يكونَ إلا ما يريدُه الله أن يتحقَّقَ وإن كان في ذلك ما يتعارضُ مع كلِّ ما سبق وأن بثَّه في الكون من أسبابٍ وقوانين..
