
يمثّل مفهوم “ميتافيزيقا الخلق” أحد المرتكزات الأساسية في المشروع الميتابايولوجي، وذلك لأنه يتعامل مع المرحلة التي تسبق نشوء النفس وتسبق الانقسام النفسي–الوجودي الذي يعرِّف الإنسان. فالخلق في القرآن ليس مجرد تصريح عن بداية الوجود، بل هو مفتاح لفهم التحول البنيوي الذي أدّى إلى ظهور الإنسان بوصفه كائنًا منفصلاً عن الطبيعة، ومالكًا لإرادة مزدوجة، وقادرًا على فعل الخير والشر في آنٍ واحد. ولذلك، تتناول هذه المقالة آلية الخلق الإلهي كما يُجليها لنا النص القرآني، ولا سيما من خلال مفهوم “كن فيكون”، ثم يعيد تفسير النماذج العجائبية في ضوء التحويلة التطورية، ليُظهر كيف أن “لحظة الخلق” لم تكن مجرد لحظة بداية، بل كانت أيضًا لحظة انقسام أدت إلى ظهور الإنسان في صورته المأزومة التي أصبح عليها بعد خروجه على الطبيعة.
والآن، لنقم بإلقاء الضوء على بعض من حقائق “كن فيكون” كما يبينها لنا تدبر النص القرآني الشريف
1. “كن” قبل التحويلة التطورية: وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية فإنه لا يُنظر إلى “كُن” باعتبارها مجرد أمر إلهي يُحدث وجودًا، بل باعتبارها النسق الوجودي الأول، نسق بلا صراع داخلي، وبلا انفصال بين الإرادة والفعل، وبلا “نفس” تجرّ الوعي إلى الداخل وتعرّضه للانقسام، وبلا قوانين تُلزِم الكائن الحي بحدوده الحيوية. إن “كُن” هنا تمثّل الطور الذي لم يكن فيه الوجود قد تعرّض بعدُ للتمزّق البُنيوي الذي أدى لاحقًا إلى ظهور الإنسان بوصفه كائنًا مضطربًا وقلقًا ومسكونًا بثنائية الخير والشر.
2. معنى الخلق بدون أسباب: فحين يقول القرآن: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
فإنه يشير إلى نمط من الفعل لا يخضع للزمان ولا للمكان ولا للقوانين السببية. وهذا النمط هو الأصل، وما القوانين الطبيعية إلا “طورًا متأخرًا” ظهر بعد التحويلة التطورية، عندما تمّ الانتقال من عالم الاتساق إلى عالم الانقسام.
والآن، لنعد قليلاً الى الميتابايولوجيا التي تفترض أن الإنسان لم يكن في بدايته كائنًا خاضعًا للغرائز الحيوانية وحدود الطبيعة، بل كائن يحمل بين جنبيه عقلاً مُبرَّءاً من أي إرادة تجنح به صوب الخروج على الطبيعة؛ أي كان قريبًا من نظام “كُن فيكون”. ومع ذلك، وقعت اللحظة التي انفصل فيها وعي الإنسان عن اتساقه الأولي؛ إذ ظهرت “النفس” وأصبح الوعي قادرًا على مخالفة إرادته ونشأ “الداخل” المنقسم وبدأت التجربة الإنسانية. إن السقوط من الجنة ليس سقوطًا بالجسم فحسب، ولكنه سقوط في البُنية النفسية أيضاً؛ فهو سقوط من عالم «كُن فيكون» إلى عالم الأسباب، ومن الانسجام إلى الصراع، ومن الفعل التلقائي إلى الاختيار المأزوم.
والآن، لنشرع بتبين البدايات الأولى لهذا السقوط المدوي:
1. يرينا القرآن أن آدم خُلق من طين، ثم نُفخ فيه من روح الله. ترى الميتابايولوجيا في خلق آدم نسخة متكاملة من الإنسان قبل تشظي الإرادة، وبنيانًا لم يُمسّ بعدُ بالثنائية النفسية، وحالة وجودية هي الأقرب إلى نظام “كُن فيكون”. لكن هذا الطور لم يدُم، لأن التحويلة التطورية بدأت في اللحظة التي مارس فيها آدم حرّيته.
2. تطرح الميتابايولوجيا سؤالاً محورياً مفاده: لماذا لم تَحُل خلقة “أحسن تقويم” بين آدم وسقوطه المحتوم، وذلك بأن تمنعه خلقتُه الكاملةُ من مخالفة الأمر الإلهي بأن لا يأكل من الشجرة؟
والجواب لأن “أحسن تقويم” هو كمال بُنيوي، وليس كمالاً نفسياً. فالنفس لم تكن قد ظهرت بعدُ ولكنها كانت “كامنة”، تنتظر لحظة التشكل، والسقوط كان اللحظة التي تبلورت فيها النفس لأول مرة. بهذا المعنى فإن السقوط لم يكن خطأ لا يغتفر بل ولادة جديدة، وليس عقوبة بل تحولًا وجوديًا.
ولكن ماذا بشأن الولادة الإعجازية للسيد المسيح من غير أب؟
ترينا هذه الولادة العجائبية تجلياً آخر لكلمة الله “كُن” في عالمنا، ولكن بصورة جزئية. فالخلق هنا لا يمر عبر “قوانين الطبيعة”.
الميتابايولوجيا ترى في هذا الحدث إعادة استحضار لنسق الخلق الأول وظهورًا لكائن لم تكتمل فيه آثار التحويلة التطورية ونموذجًا يُظهر الفارق بين الإنسان الذي تشكلت فيه النفس والإنسان الذي لم تتشكل فيه بالكامل. ولهذا فهو يتصف بالرحمة الفطرية وبالصفاء الداخلي وبالانسجام الذي افتقده الإنسان بعد التحويلة التطورية. إن الصفات الأخلاقية للسيد المسيح ليست عَرَضًا بل بُنية. فهو “كلمة الله”
أي كائن من النظام الأول داخل النظام الثاني. وهنا لابد لنا من أن نستذكر النبي يحيى. فقصته عليه السلام تمثل نمطًا وسيطًا؛ فهو إنسان يولد ضمن النظام البايولوجي، ولكن ولادته هذه لم تكن لتتحقق لولا قهر لقوانين البايولوجيا ذات الصلة بمحددات حمل الأنثى على قدر تعلق الأمر بسن الإنجاب والتقدم في العمر. ويمثل هذا التدخل المباشر من لدن الله تعالى بكلمة “كن” تعديلاً متعمّداً في بُنية النفس، وتقليلاً لعمق الانقسام الداخلي، وإعادة ضخٍّ لصفاء ما قبل التحويلة التطورية. ولهذا نقرأ في القرآن العظيم: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (12- 15 مريم). فيحيى كان مخلوقاً خُفّف عنه أثر التضرر البُنيوي للوعي.
أما في قصة النبي إسماعيل والنبي إسحاق،
فإنه لا يتم إلغاء الطبيعة، بل يتم إعادةُ تشكيلها. ورسالة الميتابايولوجيا هنا هي أن قوانين العلم ليست سيدة الوجود، وأن النفس ليست قدَرًا محتومًا، وأن الوجود الإنساني ليس مغلقًا، وأن ما بعد التحويلة التطورية ليس نهاية الطريق بل بداية لما يمكن أن يكون السبيل الوحيد للعودةِ إلى “أحسن تقويم” إذا ما اختار الإنسان أن يتبعَ هَديَ الله.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن بالإمكان صياغة تعريف جديد لميتافيزيقا الخلق ولمعنى «كُن فيكون»، وذلك وفقاً لما كشفته لنا الميتابايولوجيا، وكما يلي:
1. «كُن فيكون» هو النسق الوجودي قبل ظهور النفس.
2. التحويلة التطورية أدت إلى انفصال الإنسان عن هذا النسق.
3. المعجزات تمثل نوافذ تُظهر لمحات من النظام الأول داخل العالم الثاني.
4. تشتمل قصة آدم على بدايات تشكل النفس، أي بداية الإنسانية بمعناها النفسي.
5. قصة عيسى ويحيى وإسماعيل وإسحاق هي تذكيرات بنيوية بما فقده الإنسان عندما دخل مرحلة الانقسام.
6. فهم ميتافيزيقا الخلق ضرورة لفهم الوعي، والأخلاق والسقوط والشر والحرية.
إن ميتافيزيقا الخلق ليست درسًا في الوجود الماضي، بل هي منهجًا لفهم الإنسان الحاضر.
فالسؤال ليس: كيف خلق الله الإنسان؟ بل:
كيف أدى الخلق الأول إلى “ظهور النفس”؟
وكيف أدى ظهور النفس إلى الانقسام الداخلي؟
وكيف يمكن للإنسان، عن طريق الدين، أن يخفّف أثر هذا الانقسام؟
بهذا يصبح الخلق الإعجازي جزءًا من البُنية التفسيرية الكبرى للمشروع الميتابايولوجي، وليس حادثاً معزولاً؛ فهو ركن من أركان فهم الإنسان كما ينبغي أن يُفهم.
