في معنى قَولِه تعالى “مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ”

من بين أبرزِ اعتراضاتِ أولئك الذين يأبون الانصياعَ لهدى الله قولُهم أنَّ فيما أمرَ به الله من منهاجٍ تعبدي، ألزمَ به كلَّ مَن شاء أن يؤمنَ، مشقةً وعسراً وضيقاً وحرجاً لا يقوى عليه الإنسانُ الذي قالَ اللهُ فيه إنه قد خلقَه ضعيفاً: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء). ولقد فات هؤلاء أن يدركوا ما ينطوي عليه اعتراضُهم هذا من تناقضٍ منطقي كفيلٍ بدحضِ وتفنيدِ حجَّتِهم هذه. فاللهُ تعالى هو الذي خلقَ الإنسانَ وهو أدرى به وأعلم: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (14 المُلك)، (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) (من 32 النجم).
صحيحٌ أنَّ الإنسانَ قد “خُلِقَ ضعيفاً”، إلا أنَّ اللهَ تعالى قد جعل في الهدى الذي أمرَ عبادَه أن يتبعوه ما لا يتعارضُ مع خِلقةِ الإنسان الضعيفةِ هذه. ففداحةُ الضرر الذي أصابَ الكيانَ البشري، بعد التحويلةِ التطوريةِ الأولى، قد أوجب عليه أن يتبعَ منهاجاً تعبدياً محددَ المعالم، واضحَ الخطوات، ميسَّراً لكلِّ مَن ابتغى إلى ربِّه سبيلاً. فليس في الدين الذي أمرَ اللهُ تعالى به عبادَه بأن يتديَّنوا به ما هو عسيرٌ عليهم، وبما يجعل فيه حرجاً وضيقاً لا قدرةَ لهم على تحملِ أعبائه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (من 78 الحج)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (من 185 البقرة).
فكيف يريدُ اللهُ تعالى من عبادِه أن يعبدوه، ليصلُحَ بذلك حالُهم، ويجعل عليهم في الدين حرجاً فيتعسر عليهم بالتالي أمرُ القيام بما أمرَهم به؟

أضف تعليق