
عادةً ما تُقرأ محاكمات الساحرات في بريطانيا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بوصفها نتاجًا لجهلٍ شعبي، أو انفعالاتٍ دينية جامحة، أو نزعة ثقافية راسخة في المجتمعات الأوروبية تجاه “المرأة الخارجة عن المألوف”. غير أنّ هذه القراءة، على شيوعها، تغفل عاملًا مركزيًا قلّما تم تفكيكه: الدور التحريضي للسلطة الملكية البريطانية ذاتها، من خلال التشريع والخطاب الرسمي والكتب العقائدية التي جعلت مطاردة الساحرات واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا. إن إعادة النظر في تلك الحقبة تكشف عن بُنية سلطوية استثمرت في زرع الخوف وإعادة توجيه الرأي العام، لا لغرض حماية المجتمع من “السحر”، بل لحماية السلطة من التهديدات السياسية والدينية التي كانت تخشى أن تنقلب عليها.
من النادر أن يتوقف المؤرخون عند حقيقة أن التهمة وحدها كانت كافية لجرّ المتهم إلى المشنقة في بريطانيا القرن التاسع عشر. فقد أصدرت الملكة إليزابيث الأولى “قانون السحر” سنة 1563، والذي نصّ صراحةً على أن “كل من يُشاع عنه ممارسة السحر، أو الشعوذة، مجرمٌ يعاقَب بالإعدام إن ترتب على أفعاله “أذى ما”، وإن كان الأذى مزعومًا”. لم يكن هذا القانون إجراءً تنظيمياً أو محاولة لضبط الفوضى، بل كان تشريعًا قائمًا على الخوف السياسي. ففي تلك الفترة، كانت إليزابيث الأولى تواجه أخطر تهديد في حياتها: قرار الحرمان الكنسي الذي أصدره البابا والذي أباح دمها وشرّع عزلها. ومع سلسلة محاولات الاغتيال التي اكتُشفت لاحقًا، اعتبرت الملكة كل “اختلاف” وكل “استقلال فكري” وكل “تمرد صامت” تهديدًا مباشرًا لحياتها. وهكذا تحوّل مفهوم “الساحرة” إلى أداة قانونية لتصفية كل من يُحتمل أن يتحدى السلطة أو يخرج عن مألوفها.
وحين اعتلى جيمس الأول العرش (1603–1625)، لم يكتفِ بتطبيق إرث إليزابيث القانوني، بل قام والده الروحي والثقافي، ثم قام هو نفسه، بتأصيل عقائدي أكثر خطورة من خلال كتاب Daemonologie، هذا الكتاب الذي ألّفه جيمس قبل اعتلائه العرش كان بمثابة دليل تشخيص رسمي للساحرات وبرنامج تثقيفي موجّه للمواطنين “الصالحين” وأداة تحريض عامة تدعو الناس إلى مطاردة المتهمين والإبلاغ عنهم. لقد صُوِّرت الساحرات في هذا الكتاب كما لو كنّ جيشًا شيطانيًا يعمل تحت سلطة قوى خفية لإسقاط العرش البريطاني. ومن خلال هذه اللغة اللاهوتية المُقلقة، نجحت السلطة الملكية في تحويل العداء للسحر إلى واجب وطني، وحولت الوشاية إلى فضيلة مواطنية. إنه نموذج مبكر لما نعرفه اليوم باسم “الهندسة الاجتماعية للخوف”.
لم تكن محاكمات الساحرات مجرد محاكمات؛ بل كان التحقيق ذاته أداة لإنتاج “الذنب” . فقد استخدمت السلطات النوم القسري لعدة أيام، والحرمان الحسي، والإغراق، وفحص الجسم بحثًا عن “علامة الشيطان”، وغير ذلك من تقنيات الاستجواب التي تكفل الحصول على الاعترافات وفق تصورٍ مسبق رسمته السلطة. إن الجانب المغفَل هنا هو أنّ آليات الاستجواب لم تُطوّر لاكتشاف الحقيقة، بل لخلقها. فكل اعتراف كان يُستخدم للدعاية، وكل إدانة كانت تُقدَّم على أنها برهانٌ على صحة القانون وشرعية المطاردة. وهكذا دخلت بريطانيا عصرًا من “الحقيقة المصنّعة”؛ حقيقة تصنعها السلطة وتلقّنها الجماهير.
ولكن ماذا كان موقف الشعب البريطاني آنذاك من توجهات السلطة الحاكمة وتوجيهاتها؟ غالبًا ما يوصف الشعب البريطاني آنذاك بأنه كان “ساذجاً” و “مؤمناً بالخرافات”، لكن هذه النظرة تتجاهل الديناميات السلطوية. فالخوف لم يكن شعورًا فرديًا بل كان منتجًا سياسيًا؛ فلقد نجحت الأسرة الملكية البريطانية في زرع حالة من الذعر الجماعي وتحويل الخرافة إلى خطاب رسمي وإقناع البريطانيين بأن أمنهم الشخصي لا يتحقق إلا بالتخلص من “أعداء غير مرئيين” . وهكذا تحوّلت المطاردة إلى حالة شعبية، لكنها شعبية صُنعت من الأعلى.
ولكن، كيف يمكننا أن نقدم تصوراً جديداً لما حدث فعلاً من وراء كواليس محاكمات الساحرات؟ لنوجز أولاً ما انتهينا إليه للتو: 1. إن مَن قتل آلاف الأبرياء ليس جهل العامة، بل هندسة الخوف التي مارستها السلطة الملكية البريطانية نفسها.
2. إن إعادة قراءة تلك الحقبة تسمح لنا بفهم كيف تُستخدم الأسطورة لتبرير العنف،
3. كيف تحولت الدولة البريطانية آنذاك إلى محرّض جماعي،
4. كيف يمكن لقرار سياسي واحد أن يشعل مطاردة عابرة للطبقات والقرى والحدود.
إن ما حدث في زمن إليزابيث وجيمس ليس ظاهرة من الماضي فحسب. فاليوم، في السياسة الدولية، يُعاد إنتاج الآلية ذاتها:
• تصوير دول أو شعوب أو أديان باعتبارها “خطرًا وجوديًا”،
• دفع الجماهير إلى قبول السياسات العدوانية،
• شيطنة الخصوم وتعميم الصور النمطية،
• تجييش المجتمعات لإسناد قرارات قد تُدخلها في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
تمامًا كما كان كتاب Daemonologie يُخيف البريطانيين من “الساحرات”، تقوم اليوم مؤسسات سياسية وإعلامية كبرى بوظيفة مشابهة: تحديد العدو وإنتاج سردية الخوف ثم ترك الجماهير تكمل المهمة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “محاكمات الساحرات” ليست فصلًا من خرافات أوروبا، بل فصلًا من تاريخ استثمار السلطة في تصنيع الخوف واستدعاء العنف. وإذا لم يُكشف هذا الجانب الخفي – جانب التشريع الموجه والتحريض النظامي وصناعة العدو – فسنبقى نقرأ الماضي على أنه خطأ شعب وليس خطيئة سلطة. إن إدراك هذا الجانب يمنحنا أداة تفسير قوية لفهم ما يجري اليوم في العالم من سياسات تصنع خصومًا وتتلاعب بالمشاعر الجماعية، لتسوق الشعوب نحو خيارات قد تهدمها كما هدمت بريطانيا آلاف الأبرياء قبل أربعة قرون.
