
إن العقل البشري، على الرغم من عظمته وقدرته الفائقة على الإبداع والنحت الحضاري، يحمل في طياته نقطة ضعف جوهرية تكاد تكون نزعة أصيلة، وهي توهم الباطل حقاً. هذه النزعة الخطيرة هي منبع الكثير من الاعتقادات الزائفة التي لا تحتاج إلى براهين أو أدلة تثبت صوابها. فالإنسان، في سعيِه للراحة المعرفية، يميل إلى إسباغ صفة “البديهية” و “المسلَّم بها” على مقولات جوفاء، يحصّنها بذلك ضد أي مقاربة منطقية أو نقد منهجي، معتقداً أن العقل لا يمكنه إلا أن يُقر بصحتها. ويشهد التاريخ البشري، كما يشهد واقعنا المعاصر، على الثمن الفادح الذي دفعته الإنسانية نتيجة التسليم بهذه “المنحوتات العقلية” المغلفة. لقد تحولت هذه العبارات، التي تبدو في ظاهرها بريئة أو نبيلة، إلى ذريعة ومسوغ لجأ إليه الأفراد والدول لتبرير أبشع الأفعال. فكيف ترسّخت هذه الآلية العقلية المضللة في اثنتين من أشهر العبارات وأكثرها تأثيراً “عبء الرجل الأبيض” و “عبء الجمال”؟
تُعد عبارة “عبء الرجل الأبيض” (The White Man’s Burden) نموذجاً كلاسيكياً لما يمكن أن تفعله اللغة عندما تُستخدم لتضليل الوعي وتزييف النوايا. فلقد صيغت هذه المقولة، التي شاعت في العصر الاستعماري، على أنها واجب أخلاقي وإنساني يقع على عاتق القوى الأوروبية “المتطورة” لنشر الحضارة وتنوير الشعوب “المتخلفة”. في الحقيقة، لم تكن هذه العبارة سوى غطاء خادع، أو قُل تبريراً إمبراطورياً، لإخفاء الجوهر الحقيقي للاستعمار، وهو السيطرة والاستغلال الاقتصادي والنهب الممنهج. لقد استغلّت القوى الاستعمارية مفهوم “العبء” النبيل لمنح نفسها “صك براءة” أخلاقياً قبل الشروع في الإجرام. وتحت هذا الشعار الزائف، اقترفت هذه القوى بحق السكان الأصليين مئات المجازر، وتسببت في إبادات جماعية لا يمكن الإحاطة بها، بالإضافة إلى التدمير الممنهج لتراث الشعوب ومنتجاتها الحضارية. إن التاريخ يصرخ بأن هذه العبارة لم تكن إلا منحوتة عقلية الهدف منها تحويل الجريمة إلى “واجب نبيل” يُمارَس باسم الحضارة، مؤكدة على نزوع العقل لتوهم الباطل حقاً.
لا يقتصر سحر العقل البشري بنحت الأعذار الجاهزة على السياقات السياسية الكبرى. فواقعنا المعاصر يعج بنماذج أخرى، ربما تكون أكثر نعومة لكنها لا تقل خبثاً، ومن أبرزها عبارة “عبء الجمال” The Buden of Beauty. إن هذه العبارة هي صيغة حديثة لنفس الآلية الإدراكية، لكنها تستهدف المجال الاجتماعي والاستهلاكي. فبمجرد صياغة الجمال كـ “عبء”، يتم تحويل المعيار الجمالي (الذي هو في الأصل أمر نسبي ومتغير) إلى ضرورة قاهرة وواجب وجودي يُمارس على الأفراد، وغالباً النساء؛ حيث تتحول الذات البشرية بموجب هذا “العبء” إلى مشروع لا نهائي من التجميل والتحسين والتسليع، تحت سلطة معايير نمطية ضيقة ومصطنعة. إن وهم هذه العبارة يكمن في إلباس السعي وراء معايير جمالية زائفة صفة “الضرورة التي لا يمكن التشكيك فيها”، مما يحوّل الاختلاف والتنوع البشري إلى “نقص” أو “عيب” يجب التخلص منه. والنتيجة هي تعميق اضطرابات الصورة الذاتية ودعم صناعات عملاقة قائمة على استغلال هشاشة الأفراد، مما يؤكد أن العقل البشري يجد دائماً سبيله لنحت عبارات تخدم مصالح خفية، حتى لو كانت على حساب السلامة النفسية والاجتماعية.
إن الخطر الأكبر لهذه المقولات لا يكمن فقط في السياق الذي نشأت فيه، بل في كونها تعكس نزعة إنسانية عامة يمكن أن تتحول إلى وقود للإرهاب والتطرف، سواء كان فردياً أو على مستوى الدول. فالإرهابي، فرداً كان أم منظمة أم دولة، نادراً ما يعترف بأنه يرتكب أفعالاً شريرة ومجردة. بل يلجأ إلى “مقولة” أو “عبارة” تمنحه الشرعية الذاتية لـ “واجبه المقدس” أو “مهمته العادلة”. في التاريخ والواقع المعاصر، نجد أن كل فعل إجرامي قد سُبِقَ بصياغة عبارة أو عقيدة توهم العقل بأن هذا الباطل حق لا يُعلى عليه. وهذه الآلية نفسها هي التي جعلت من “عبء الرجل الأبيض” مسوغاً لقتل الملايين، وهي نفسها التي تجعل “عبء الجمال” مصدراً لاستعباد الذات تحت وطأة الاستهلاك القسري.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن السبيل الوحيد للتخلص من هذه النزعة العقلية بكافة تجلياتها يكمن في الإصرار على تغليب المقاربة المنطقية ومبدأ التشكيك المنهجي. يجب أن يُرفض مبدأ التسليم المطلق لكل ما يدعي أنه “بديهية” لا يمكن للعقل إلا أن يُقر بها، ما لم يكن مدعوماً بدليل وبرهان قاطع. ومهمتنا النقدية لا تهدف إلى هدم القيم، بل إلى تفكيك هذه العبارات وسبر أغوارها لطرحها على الرأي العام، وجعلها مادة للنقاش المنطقي الصارم. فمن خلال التمحيص والتحليل، يمكننا تبيان فساد رأيها وبطلان حجتها، وبالتالي تجريدها من القوة التبريرية التي تستمدها من وهم البداهة. وعندما يفشل العقل في توهم الباطل حقاً، نكون قد قطعنا خطوة هائلة نحو منع تكرار الفظائع التي تولدها الأعذار الجاهزة والأعباء المزيّفة.
