
في عام 2024، لم يضف الاكتشاف الفلكي المذهل لـ “الحلقة الكبرى” (The Big Ring)، والتي يطلق عليها البعض مجازاً “عجلة العمالقة”، مجرد نقطة جديدة على خريطة الكون، بل وضع هذا الاكتشاف، الذي يمثل بنية كونية هائلة بقطر يناهز 1.3 مليار سنة ضوئية، تحدياً وجودياً مباشراً أمام النماذج الكونية التي بنيناها على مدى قرن من الزمان. إن وجود هذه الهياكل العملاقة يفرض علينا وقفة تأملية منهجية: ما الذي يجعلنا نصيغ تصورات مكتملة للكون ونحن لَمَّا نُحط علماً بكافة العوامل المؤثرة (parameters) ذات الصلة؟ إنها دعوة للتحرر من مفهوم “الكمال الصياغي” وتبني “اللاكمال الصياغي” كفلسفة لفهم الكون. فعجلة العمالقة تُقوّض المألوف؛ حيث أن “الحلقة الكبرى” تتجاوز الحد الأقصى النظري المفترض لحجم الهياكل الكونية، والذي يُقدر بحوالي 1.2 مليار سنة ضوئية. وهذا الحد تفترضه النماذج القياسية التي تستند إلى المبدأ الكوني الذي يفترض أن الكون متجانس ومتناغم مع المقاييس الكبرى. ببساطة، لا ينبغي أن تتجمع المادة في هياكل بهذا الحجم الهائل.
إن وجود “الحلقة الكبرى”، إلى جانب “القوس العملاق” الذي اكتُشف في نفس المنطقة، يجبرنا على مراجعة إحدى الركائز الأساسية التي بنيت عليها الفيزياء الكونية. فإما أن المبدأ الكوني يحتاج إلى تعديل جوهري، أو أن هناك عوامل فيزيائية لم نكتشفها بعد هي المسؤولة عن تجميع المادة على هذا النطاق غير المتوقع.
في ظل غياب نظرية واحدة قاطعة، يتصارع العلماء لتقديم تفسيرات تستوعب هذه البنية ضمن إطارنا الفكري، أو توسع هذا الإطار إلى آفاق جديدة. هذه النظريات، وإن كانت محاولات جريئة، إلا أنها اعتراف بـ “جهلنا المُعلن” الذي يضعنا عند نقطة البداية مرة أخرى. وفيما يلي بعضٌ من المقاربات النظرية لهذه الظاهرة الكونية الفريدة:
1. تحدي المبدأ الكوني المُباشر: بعض العلماء يرون أن التفسير الأبسط هو أن المبدأ الكوني نفسه يحتاج إلى مراجعة، وأن الكون ليس متجانساً كما افترضنا، مما يسمح بتكوّن تكتلات على هذا النطاق الهائل.
2. فرضية الأوتار الكونية (Cosmic Strings): تقترح هذه النظرية أن الحلقة قد تكون تشكلت حول عيوب طوبولوجية افتراضية على شكل خيوط تكونت أثناء نشأة الكون، عملت كـ “بذور جاذبية” عملاقة أدت إلى تجميع المادة على طول مساراتها.
3. تأثيرات الأكوان الدورية: يذهب منظور آخر إلى أن البنية قد تكون ناتجة عن “بصمات” أو موجات جاذبية من دورة كونية سابقة، مما يفتح الباب أمام نظريات مثل نظرية بنروز التي ترى أن الكون يمر بدورات مستمرة من التوسع والانكماش.
4. التذبذبات الصوتية الباريونية المُعدّلة (BAOs): محاولة للربط بين البنية وبين آثار موجات الضغط في الكون المبكر، لكنها تستوجب تعديلاً جذرياً للنماذج الحالية لتفسير الشكل الحلقي غير المألوف.
إن سيرة علم الفلك مليئة بـ “الصدمات الكونية”: من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس، ومن الإيمان بأن مجرتنا هي كل الكون، إلى اكتشاف مليارات المجرات. في كل مرة، نُقنع بأن النموذج السائد يمثل الصورة “الكاملة”، لنُفاجأ باكتشاف يضطرنا إلى إعادة كتابة النصوص العلمية من جديد.
هنا تكمن أهمية تبني مقاربة “اللاكمال الصياغي”، وذلك كما يلي:
1. الكف عن وهم الكمال: يجب أن نتوقف عن تقديم النظرة الحالية للكون على أنها “الصورة النهائية” أو “الصورة الحقيقية” التي لا تقبل الجدل.
2. تقييد التصورات بالبيانات: ينبغي أن نُقيد كل صورة كونية نصيغها بملاحظات تربط هذا التصور صراحةً بـ معلوماتنا الراهنة (Our Current State of Knowledge).
3. التشديد على العوامل المجهولة: يجب أن يُشدد في كل صيغة كونية على حقيقة أن في الكون عوامل بوسعها، إن تمكنا يوماً من اكتشافها (كطبيعة المادة والطاقة المظلمة)، أن تغير تصوراتنا عنه بالكامل.
إن التصور الكوني الذي بين أيدينا اليوم هو “تصور حقيقي” بالاستناد إلى المعلومات والقياسات المتاحة. لكن هذا لا يعني أنه يمثل الحقيقة النهائية.
إن اكتشاف “عجلة العمالقة” ليس فشلاً للعلم، بل هو تذكير بطبيعته الديناميكية اللامتناهية. إن تبني التواضع الكوني و”اللاكمال الصياغي” يمنحنا المرونة الفكرية للترحيب بالمفاجأة الكونية القادمة والإيمان بأن رحلتنا نحو استيعاب الكون لَمَّا تكتمل بعد ولن تكتمل طالما بقيت هناك أسرار تقع خارج حدود رؤيتنا ومعادلاتنا الحالية.
