أفكارُ الإنسان منحوتاتُ عقلِه

تُظهِرُ لنا الدراسةُ المتدبرة لوقائعِ التاريخِ وأحداثِه أنَّ السوادَ الأعظم منها ما كان له أن يرى النور لو أنَّ الإنسانَ لم يُخلَق مجبولاً على السعي وراء معبودٍ يسبِّحُ بحمدِه ويقدِّسُ له. فالإنسانُ إن لم يتكلل مسعاه بوصولِه إلى “المعبود الحقيقي”، وذلك باتِّباعِه للهَدي الذي سبق وأن أنزلَه عليه يومَ أنزلَ أبيه آدم إلى هذه الأرض، فإنه لن يستطيعَ أن يفلتَ من واحدٍ أو أكثر من تلك الآلهة المتخيَّلة التي ستفعل نفسُه كلَّ ما بوسعِها لتجعلَه يؤمن بواحدٍ منها أو أكثر. ومن هذه الآلهة المتخيَّلة منحوتاتٌ نحتها الإنسانُ بعقلِه وتوهَّم أنَّ لها وجوداً حقيقياً، فصار يتعبدُ لها، ظناً منه وتوهماً أنها المعبودُ الذي ما خُلِق إلا ليعبدَه.
ومن هذه المنحوتات ما يتوهم الإنسانُ أنها حقائقُ فلسفية، أو دينية، أو سياسية، أو غير ذلك كثير. فكم من الأفكار التي يتعبدُ لها الإنسان هي في حقيقتِها منحوتاتُ عقلِه الذي طوَّعت له نفسُه أن يتخذَها آلهةً، وزيَّن له هواه أن يكفِّرَ كلَّ من لم يشاركه الإيمانَ بها؟! ويخطئُ كلُّ مَن يظن أنَّ نظرياتِ العلم بمنأى عن أن يطالَها هذا المصير! فكثيرٌ من نظرياتِ العلم هي منحوتاتٌ صنعها عقلُ الإنسان واتخذها آلهةً لن يحيدَ عن التعبُّدِ لها وإن أتيتَه بأقوى الأدلةِ حسماً وأبلغ البراهين قدرةً على تفنيدِها وإثباتِ زيفِها.
أفلا يحقُّ للمرءِ بعد هذا أن يصفَ أفكارَ الإنسان بأنها “منحوتاتُ عقلِه”؟ فما الأصنامُ التي تعبدَ لها أسلافُنا إلا منحوتاتُ عقولِهم. فأصنامُ أسلافِنا ما هي إلا أفكارُنا التي فاتنا أن ننحتَها من ذاتِ الصخر الذي نحتوا منه أصنامَهم!

أضف تعليق