الهشاشة الإنسانية… مفارقة العقل البايولوجي “الخارق” والوجدان النفسي “الممزق”

ليست “الهشاشة الإنسانية” مجرد مرادف للضعف الجسدي أو القابلية للكسر المادي؛ بل هي حالة وجودية متأصلة، تتجسد في الاستعداد الدائم للتمزق الداخلي والتقلب العاطفي والمعاناة الفردية والجماعية. إنها النقيض الصارخ لمفهوم الثبات البيولوجي أو الاكتمال النفسي.
الإنسان، هذا الكائن الذي يتميز بتعقيده المعرفي، يرزح تحت وطأة ثقله الوجودي الذي لا يني يزداد كمّاً وكيفاً. إنه عبء يتجلى في صور شتى: القلق المتجذر واليأس والقنوط والرغبات المتناقضة التي يمزق بعضها بعضاً والسلوكيات التي تتعارض مع منظومته القيمية ومخاوف لا تتوقف عن التكاثر. الهشاشة، في هذا السياق، هي الكلفة الباهظة للوعي.
هنا تنشأ المفارقة المنطقية الصارخة: كيف يمكن لهذا الكائن، الذي يُفترض به أن يكون الثمرة الناضجة والتتويج الأرقى لمسيرة التطور البيولوجي الطويلة، أن يكون على هذه الشاكلة من التمزق والاضطراب؟ المفارقة تتجلى بوضوح عند مقارنته ببقية الكائنات الحية؛ فالحيوانات، بصفة عامة، لا تعاني من هذا العبء الوجودي، ولا تعرف هذا القلق الميتافيزيقي الذي يمزق وعي الإنسان. فما الذي حدث ليفضي بنا التطور إلى هذا المأزق الذي جمع بين أقصى درجات التطور البايولوجي وأعمق مستويات التشظي الوجداني؟
تكمن الهشاشة في جوهرها في التناقض بين نجاح الآلة البيولوجية وفشل النظام النفسي. لقد أتقن التطور بناء جسد متكيف وذهن قادر على السيطرة على البيئة، لكنه في الوقت ذاته، أفرز وعياً متطوراً لدرجة أنه أصبح سيفاً ذا حدين. هذا الوعي هو ما يمنحنا القدرة على تجاوز اللحظة الراهنة والتأمل في العدم، لكنه أيضاً ما يجعلنا نعيش في حالة من التوتر الدائم بين:
• الكينونة الفعلية (What We Are): محدودون وفانُون ومدفوعون بغرائز.
• الكينونة المُتصورة (What We Could Be): مطلقون وخالدون وأحرار.
إن هذا التناقض هو مصدر “الحيوان المريض” (كما وصفه نيتشه)، الكائن الذي أصبح قادراً على طرح الأسئلة الوجودية، ولكنه غير قادر على تحمل الإجابات. إذا كان الهدف الأسمى للتطور هو البقاء والتكيف الأفضل، فإن القلق العميق والاكتئاب المنهك والمعاناة الوجودية، تبدو وكأنها خصائص مناهضة للبقاء (Anti-Survival)، مما يطعن في التفسيرات التطورية البسيطة التي تحاول “تطبيع” هذه المعاناة.
أمام هذه الفجوة الهائلة بين النجاح البيولوجي والتمزق النفسي، لا يمكننا إلا أن نتساءل: ألا يقودنا التأمل في هشاشة الإنسان هذه إلى افتراض مؤداه أن ماضينا التطوري ينطوي على “صفحة مفقودة”؟
هذه الصفحة ليست مجرد حلقة بيولوجية غير مكتشفة، بل هي السردية الغائبة التي سُطرت فيها حكاية هذا “الخروج على الطبيعة” (Going beyond Nature). ربما لم يحدث التطور المعرفي البشري بتوازن، بل كان قفزة غير متكافئة جعلت العقل يسبق الوجدان، مما أدى إلى ولادة كائن مفكك، تطور بيولوجياً ليصبح سيد الكوكب، ولكنه انهار نفسياً ليصبح أشقى الكائنات الحية قاطبة.
إن هذه المفارقة تتطلب منا أن ندعو البيولوجيا التطورية وعلم النفس التطوري إلى التوقف مؤقتاً عن محاولة تقديم “تفسير منطقي وظيفي” (Functional Explanation) لكل سمة بشرية، بما في ذلك التناقضات والمعاناة الوجودية. هذه المحاولات، وإن كانت ذات قيمة علمية، غالباً ما تبسط الظاهرة وتحاول إدراجها ضمن خانة “آليات التكيف”، متجاهلة عمق المأساة الوجودية.
يجب الإقرار بأننا لا نزال بعيدين جداً عن فهم الكيفية التي جعلت الإنسان يخرج على الطبيعة بهشاشته المميزة هذه. إن الهشاشة ليست خللاً عابراً، بل هي ثمن الوعي الذاتي المطلق؛ ثمنٌ يدفعنا إلى الإقرار بـ التواضع المعرفي (Epistemic Humility) والاعتراف بأن خصوصيتنا تكمن في قدرتنا على الشعور بالتمزق واللا جدوى، وهي قدرة لا “تُفسَّر” بسهولة بقواعد البقاء. لعل هذا الاعتراف بالهشاشة هو الخطوة الأولى نحو فهم أعمق وأكثر صدقاً لكينونتنا المعقدة والممزقة.

أضف تعليق