
لطالما كان علم الآثار فن قراءة الماضي عبر حطامه. لكن ماذا يحدث عندما يفاجئنا هذا الماضي بهيكل يتحدى كل ما نعرفه عن التسلسل الزمني وتطور المجتمعات؟
في هضبة الجولان السورية، يقع معلم أثري هائل وغامض يُعرف محلياً بـ “رُجم الهري” (أي رُكام القِطط البرية أو الوشق)، ويُطلق عليه بعض علماء الآثار تسمية “عجلة العمالقة” أو “جلجال رافائيم” (Gilgal Refaim). هذا الصرح الضخم، الذي ظهرت معالمه بعد حرب الأيام الستة عام 1967، يقدم تحدياً فريداً للمنهجية الأثرية السائدة، وذلك كما يلي:
1. “رُجم الهري”: صرح غامض يكسر التسلسل الزمني
عندما عكف علماء الآثار على دراسة هذا الموقع، وجدوا أنفسهم أمام بنية لا تتوافق مع النموذج التاريخي السائد للمنطقة خلال العصر البرونزي (حوالي 3000 قبل الميلاد)، وهو العصر الذي يُرجح فيه بناء هذا الموقع.
• وصف الصرح: يتألف “رجم الهري” من سلسلة من الدوائر الحجرية متحدة المركز، يبلغ قطر أكبرها حوالي 150 متراً، تحوي في مركزها ركاماً ضخماً من الحجارة يرتفع نحو 5 أمتار. تتكون البنية من حوالي 40 ألف طن من حجارة البازلت، المرصوفة بعناية فائقة، مما يجعله أحد أكبر الميغاليث (المنشآت الحجرية الضخمة) في الشرق الأوسط.
• اللغز الأكبر: تكمن فرادته في عدم وجود أي آثار مستوطنات قريبة يمكن أن تفسر حجم الجهد والعمل المطلوب لبنائه. من قام ببنائه؟ ولماذا؟
• التسمية اللاهوتية: أُطلق عليه اسم “جلجال رفائيم” (دائرة العمالقة/الأشخاص الأقوياء) بتأثير من مظهره كـ “عجلة عملاقة” ضخمة مصنوعة من الحجارة، وارتباطه بما ورد في بعض النصوص الدينية عن “العمالقة” (الرفائيم) الذين سكنوا المنطقة.
ولقد فشلت محاولات تحديد الجهة المسؤولة عن بناء “رجم الهري” أو الغرض من وراءه، مما اضطر العلماء لتقديم نظريات عدة لم يتم التوصل إلى إجماع حول أي منها. ومن أبرز هذه النظريات:
1. مرصد فلكي (Astronomical Observatory): يُفترض أن البوابات والمحاور تتوافق مع تواريخ الانقلاب الشمسي الصيفي والشتوي. لكن هذه الفرضية لا تفسر الغرض من الركام المركزي الهائل.
2. مركز دفن لزعيم قبلي (Burial Site): يُعتقد أن الركام المركزي كان غرفة دفن، لكن الأدلة على الدفن غير قاطعة ولا تتناسب مع ضخامة الصرح.
3. نقطة تجميع قبلية أو شعائرية (Ritual Hub): يُفترض أنه كان نقطة التقاء دورية للقبائل الرعوية، لكن هذا يضطرنا لافتراض نمط تنظيمي متطور لا يتوافق مع نمط الاستيطان المعروف في تلك الفترة.
هذه النظريات تكشف عن مشكلة منهجية أعمق: فبدلاً من أن تدع الموجودات تقود الاستنتاج، عمل العلماء جاهدين على تطويع هذه الموجودات لإخضاعها للنماذج التفسيرية السائدة والمعمول بها لفهم التسلسل الزمني للمنطقة.
تكمن الفرصة التي يوفرها “رجم الهري” في تصحيح المسار المنهجي لعالِم الآثار. فالنظرة الصائبة توجب على عالِم الآثار أن لا يعمل جاهداً على تطويع موجودات موقع أثري ما ليخضعها من بعد ذلك للنموذج التفسيري السائد. فـ “رجم الهري” لا يجب أن يُفسر بأنه “مستوطنة” أو “مرصد” لأنه يجب أن يكون كذلك في سياق العصر البرونزي الذي نعرفه.
بدلاً من ذلك، يجب على عالِم الآثار أن يدع هذه الموجودات التاريخية تقوده حيث تريد هي، وليس كما يريد نموذج هو أو كما تقضي كتب التاريخ المعمول بها. وهذا المنهج الجديد يقتضي ما يلي:
• التسليم بـ “السياق المجهول”: الاعتراف بأن لكل جغرافيا تاريخية مسارها الفريد، وقد تكون بعض المجتمعات قد طورت قدرات تنظيمية وهندسية (مثل بناء رجم الهري) تتجاوز ما افترضناه في نماذجنا العامة لتلك الحقبة.
• مرونة النماذج: استخدام النماذج التفسيرية كأداة أولية وليس كقيد نهائي، وأن يكون النموذج قابلاً للتغيير أو الهجر بالكامل إذا تعارضت معه الموجودات المكتشفة.
فـ “رجم الهري” ليس مجرد كومة حجارة غامضة؛ إنه تذكير بأن التاريخ ليس سلسلة خطية بالإمكان توقعها. فهو يطالبنا بأن نكون أكثر تواضعاً أمام المكتشفات التي لا نفهمها، والاعتراف بأن الصورة الكاملة لتاريخ المنطقة قد تتطلب إدراج مسارات حضارية لم تخطر ببالنا. إن إعادة كتابة تاريخ الجغرافيا تبدأ من اللحظة التي يقرر فيها عالِم الآثار أن المكتشفات هي المَعْلَم الذي يقود الرحلة، وليست مجرد أدلة يجب أن تخدم خريطة رسمت مسبقاً.
