يحتلُّ التحريم الإلهي مكانة مركزية في البناء الأخلاقي والشرعي للخطاب القرآني. غير أن مقاربة هذا التحريم غالبًا ما انحصرت في حدود الفقه والسلوك الظاهر، دون الالتفات إلى الوظيفة البنيوية العميقة التي يؤديها في إعادة تشكيل النفس البشرية وضبطها. فالتحريم، في أحد وجوهه، ليس مجرد منع لأفعال بعينها، بل هو تقنية إصلاحية تستهدف معالجة العطب الكامن في النفس الإنسانية، ذلك العطب الذي وُلد الإنسان حاملاً له دون اختيار.
لكنّ التحريم لا يقتصر على هذا الوجه الإصلاحي، إذ يُنبئنا القرآن عن وجهٍ آخر للتحريم، وجهٍ يرتبط بالعقوبة والجزاء، ويكشف عن أن التشريع الإلهي يتعامل مع النفس البشرية ليس بمنطق واحد، بل بمنطقين: منطق التقويم ومنطق التأديب. والفارق بينهما ليس في الهدف، بل في مستوى العطب الذي بلغته النفس الإنسانية.
ينطلق النص القرآني من حقيقة مفادها أن الإنسان يولَد وهو محاطٌ بنوعٍ من العطب البنيوي الذي يعتري نفسه. وهذا العطب ليس عرضًا طارئًا يطرأ على البعض دون البعض الآخر، بل هو سمة عامة للنوع الإنساني كله: “إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ”. فالبشر، منذ لحظة ولادتهم، يحملون ذاتَ النفس المعطوبة التي تضخّم الهوى وتضعف سلطان العقل وتجرّ الإنسان إلى ما لا يُصلِحه ولا ينفعه.
وهنا تظهر الفكرة الجوهرية: العقل السليم وحده غير كافٍ لضبط هذه النفس. والمنطق القويم غير قادر على ردعها. فالنفس، في أصلها، قوة دافعة لا تُقهر بالعقل، لكنها تُقهر فقط حين تتخذ الإرادة موقفًا مضادًا لها. إن الإنسان مزوّد بإرادة، نعم، ولكن هذه الإرادة لا تعمل تلقائيًا. بل تحتاج إلى تفعيل. وحين لا تُفعَّل، تصبح النفس هي الحاكمة، ويغدو الإنسان تابعًا لأهوائها لا حاكمًا لها.
فإذا كانت النفس تحمل هذا القدر من العطب، فإن التحريم الإلهي يأتي ليؤسس نظامًا من التقنيات التعبدية التي تُمكّن الإنسان من الوقوف أمام نفسه ومعارضتها وردعها. فالتحريم لا يُفهم فقط كمنع خارجي، بل كـ آلية تهذيب: يحدّ من اندفاع النفس ويكسر هيمنة رغباتها ويُدرّب الإرادة على المقاومة ويمنح الإنسان أدوات عملية ليتجاوز أهوائه وغرائزه. بهذا يصبح التحريم أداةً ضروريةً يستعين بها الإنسان ليعبر بها من نمطِ وجودٍ متخاذلٍ متقاعسٍ مستسلمٍ للنفس ولما تأمر به خاضعٍ للغرائز، إلى نمط وجودٍ مغاير يتسم بالانضباط والوعي والارتقاء الأخلاقي. إن الامتثال للتحريم ليس انصياعًا قسريًا، بل تدريبًا وجوديًا يحوّل الإنسان من كائن منساق إلى كائن قادر على قول “لا” لنفسه قبل أن يقولها للعالم.
غير أن النص القرآني لا يعرض التحريم بوصفه تقنية إصلاحية فحسب، بل يكشف عن وجهٍ آخر له قد يغيب عن الكثيرين: وجه العقوبة. فالتحريم قد يُنزل على جماعة ارتكبت من البغي والاعتداء ما يجعل من العقوبة ضرورة ضابطة. وقد يعاقبهم الله بتحريم ما كان قد أحلّه لهم سابقًا، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ﴾ (الأنعام: 146)
إنه تحريم جزائي، لا يدخل ضمن منظومة التقويم النفسي، بل ضمن منطق التأديب الذي يُعيد الجماعة إلى حدود النظام الأخلاقي بعد خروجها عليه. وهذا الوجه من التحريم يُظهر أن العلاقة بين التشريع الإلهي والإنسان ليست علاقة خط واحد، بل علاقة تقوم على إصلاح حين يكون الإصلاح ممكنًا وتأديب حين يتعذر الإصلاح بغير العقوبة. فالتحريم، في صورته الجزائية، يتحول إلى حدٍّ يُفرض على النفس كي لا تسترسل في فسادها وفي الوقت نفسه يحمل في طيّاته رحمة؛ إذ قد يُعيد الإنسان إلى التوازن الذي فقده. فمن السهل أن نرى التحريم العقابي عقوبة فحسب، لكنه في جوهره يحمل رحمة خفية. فالتحريم، حتى وهو جزاء، يضع النفس أمام حدود واضحة تمنعها من الانحدار نحو مستويات أعمق من الفساد.
فالعقوبة في ميزان القرآن ليست انتقامًا إلهيًا فحسب، بل آلية منع: إذ تمنع الفساد من التفاقم وتمنع النفس من الانفلات وتمنع الجماعة من السقوط في دوائر الخراب.
وهكذا يجتمع الوجهان: الإصلاح و العقوبة في بنية واحدة غايتها حفظ الإنسان من نفسه، وليس للتشهير به.
بإمكاننا الآن أن نوجز ما تقدم كما يلي: الإنسان ليس عاجزًا أمام نفسه، بل هو مُخوَّل بقوة الإرادة التي إن فعّلها استطاع ردع النفس، ولو بشقّ الأنفس. أما إذا عطّل إرادته، ولم يرد أن يُصلح نفسه، فقد سلّمها للهوى، ولسان حاله يقول: “تصرّفي أنتِ يا نفس، فأنا تابعٌ لا قائد.”
وعندها يصبح الإنسان خادمًا لرغباته لا سيدًا عليها، ويتحول التحريم من وسيلة ارتقاء إلى حدٍّ يُطبَق عليه نتيجة عصيانه وهربه من مواجهة نفسه.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن التحريم الإلهي، بوجهيه الإصلاحي والجزائي، رؤية متكاملة لطبيعة الإنسان وحدود قدرته، وللبنية النفسية التي تحكم سلوكه. إن التحريم ليس حزمة قوانين تهدف إلى ضبط المجتمع فحسب، بل هو نظام تربوي عميق: يعالج العطب الداخلي للنفس ويدرّب الإرادة ويضمن توازن الإنسان الداخلي ويضعه أمام مسؤولية وجودية: إمّا أن يرتقي، أو أن يترك نفسه للهوى فيهوي معها. ومن يتفكّر في الوجه الآخر للتحريم الإلهي، التحريم الجزائي، سيدرك أن الرحمة الإلهية تتجلّى حتى في العقوبة، وأن النظام الأخلاقي الذي جاء به الوحي ليس مجرد منظومة أوامر ونواهٍ، بل هندسة كاملة للروح والنفس والسلوك تحفظ الإنسان من نفسه قبل أن تحفظ المجتمع منه.
