“عجلة العمالقة” المزدوجة: نحو منهجية الإذعان الظاهراتي في المعرفة الشاملة

في رحلة الإنسان لاستكشاف واقعه، ظهرت ظاهرتان تحملان الاسم نفسه، “عجلة العمالقة”، لكنهما تنتميان إلى أبعاد متباينة: الأولى في أقاصي الكون (الحلقة الكبرى الفلكية)، والثانية في أعماق التاريخ الأرضي (رُجم الهري الأثري). ورغم التباين الجذري في النطاق والتخصص، يجمعهما درس منهجي واحد بالغ الأهمية: وجوب إذعان النظرية أمام حقيقة الظاهرة.
إن كلا الظاهرتين تدعوان لتبني مقاربة معرفية جديدة، تتجاوز الصرامة الموضوعية لتصل إلى “منهج الإذعان الظاهراتي”، حيث تسلم النظرية قيادة الاستكشاف للظاهرة أو التجربة نفسها لتقول قولها الفصل.
“الحلقة الكبرى” (عجلة العمالقة السماوية) هي عبارة عن بنية مجرية هائلة بقطر 1.3 مليار سنة ضوئية. التحدي المنهجي تجاوز الحد النظري: حجمها يكسر المبدأ الكوني ونماذج التكوين الهيكلي. المعضلة المعرفية الإصرار على أن الكون يجب أن يكون متجانساً على النطاق الأكبر.
“رُجم الهري” (عجلة العمالقة الأرضية) هي عبارة عن صرح ميغاليثي ضخم من البازلت في الجولان. التحدي المنهجي تجاوز الحد التاريخي: لا تتوافق مع نمط الاستيطان والتنظيم الاجتماعي للعصر البرونزي السائد. المعضلة المعرفية الإصرار على أن الأثر يجب أن يتوافق مع نماذجنا المقبولة للتسلسل الزمني.
في كلا المجالين، تكمن المشكلة في أننا نبدأ الرحلة بـ خريطة مسبقة (النموذج/النظرية)، ثم نعمل على تطويع التضاريس الجديدة (الظاهرة/المكتشف) لتناسب حدود هذه الخريطة.
إن المنهج المعرفي الأصوب للتعامل مع هذه التحديات، سواء كانت فيزيائية فلكية أم آثارية أرضية، يقوم على مقاربة موحدة تتجاوز صرامة التخصص العلمي:
أ. في الفيزياء الفلكية والكونيات: تبني “اللاكمال الصياغي”
كما كشفت عنه “الحلقة الكبرى”، يجب أن نعتمد “اللاكمال الصياغي” في التعامل مع النماذج الكونية. وهذا يتطلب ما يلي:
• الصرامة الموضوعية: يجب أن تكون النظريات صارمة في تطبيقها، لكنها يجب أن تسلّم فوراً بقيادتها للظاهرة حين تظهر بيانات جديدة. فبدلاً من البحث عن تعديلات طفيفة للنظرية لتضمين “الحلقة الكبرى”، يجب أن نسمح للظاهرة بأن تقودنا إلى نظرية جديدة بالكامل (كالأوتار الكونية أو الأكوان الدورية).
• الإقرار بالعوامل المجهولة: التشديد على أن كل تصور كوني هو تصور “حقيقي” فقط بالاستناد إلى معلوماتنا الراهنة، مع الاعتراف بأن عوامل لم تُكتشف بعد (كـ 95% من مكونات الكون) بوسعها تغيير الصورة بالكامل.
ب. في علم الآثار والتاريخ الأرضي: خضوع النموذج للموجودات
كما أبرزه لغز “رجم الهري”، يجب أن نعتمد “خضوع النموذج للموجودات”. هذا يتطلب:
• نزع الصفة الإلزامية عن النماذج: يجب اعتبار النماذج التفسيرية (كالتسلسل الزمني الحضاري) كأدوات لفهم السياق، وليس كقوانين يجب أن تخضع لها المكتشفات.
• القيادة التاريخية: الإصرار على أن المكتشفات التاريخية تقود الاستنتاج، لا أن تُساق إليه. فإذا كان “رجم الهري” يقتضي وجود تنظيم اجتماعي غير مألوف للعصر البرونزي، فالاستنتاج هو أن نموذجنا عن العصر البرونزي غير مكتمل، وليس أن الأثر يجب أن يكون له غرض يتوافق مع النموذج.
إن ما يوحد المنهج في التعامل مع “عجلة العمالقة” المزدوجة هو هذا المطلب المنهجي الأساسي: أن تترك النظرية جانباً لتسمع الحكم الفاصل من الظاهرة أو التجربة.
. التواضع المعرفي: الاعتراف بأن الصورة النهائية للكون أو التاريخ لَمَّا تكتمل بعد.
. الصرامة المنهجية “المُذعنة”: تطبيق صرامة البحث العلمي، ولكن مع الاستعداد الكامل للتغيير الجذري عند ظهور دليل قاطع.
. القيادة الظاهراتية: جعل الظاهرة (الفيزيائية أو الأثرية) هي المعلم الذي يحدد وجهة البحث والاستنتاج.
. التوظيف الشامل للمعرفة: تطبيق هذا المنهج ليس فقط على الظواهر الفلكية والآثارية، ولكن على أي ظاهرة أو تجربة تتطلب منا حسن توظيفها ضمن السياق المعرفي الشامل للمعرفة البشرية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “عجلة العمالقة” تُعلمنا درساً لا يُنسى مفاده أن الطريق إلى المعرفة الحقيقية يمر عبر التخلي عن يقين النماذج المسبقة. سواء كنا ننظر إلى ما لا نهاية في الكون أو ننبش في طبقات الأرض، فإن واجبنا المعرفي هو أن نبقى في حالة استعداد دائم للإذعان للواقع التجريبي، لندع الظاهرة تضيء لنا الدرب في مسيرة المعرفة البشرية الحقة.

أضف تعليق