يقدّم القرآن الكريم معصية آدم لا بوصفها فعل تمرّد واعٍ، بل بوصفها واقعة تأسيسية كُشف من خلالها عن أول ملامح الخلل البنيوي الذي سيلازم الكائن الإنساني لاحقًا. فقول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ لا يُقرأ، في ضوء الآية المفسِّرة لها:
﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ على أنه توصيف لتمرد أخلاقي، بل توصيف لنتيجة فعلٍ وقع في ظل غياب العزم وضعف التماسك الداخلي للإرادة. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الخطأ بوصفه فعلًا، والخطأ بوصفه نية. ومن منظور ميتابايولوجي، تمثل هذه اللحظة البداية الأولى لانكشاف هشاشة البنية الإنسانية، وليس فسادها.
في المقاربة الميتابايولوجية، لا يُفهم النسيان على أنه مجرد غفلة ذهنية، بل بوصفه خللًا بنيويًا في آلية الضبط الداخلي للكائن الذي خرج لتوّه من نظام الطبيعة الصارم إلى فضاء التكليف. فآدم لم يكن بعدُ كائنًا ذا إرادة متماسكة مكتملة ولا ذا نفس متضخمة كما سيؤول إليها الإنسان لاحقًا، بل كان في مرحلة انتقالية بين: كائن منضبط بالطبيعة، وكائن مُطالب بضبط ذاته من الداخل. ومن هنا، فإن نسيانه لم يكن عصيانًا إراديًا، بل أول اختبار لفجوة الوعي والإرادة التي ستتسع مع التاريخ البشري.
يخطئ من يضع معصية آدم ومعصية إبليس في مستوى واحد، لأن الفارق بينهما ليس فارق فعل، بل فارق بنية نفسية وإرادية. فإبليس: امتلك وعيًا كاملًا بالأمر وامتلك عزمًا صلبًا واختار الرفض بدافع الاستكبار والتعليل والمواجهة. أما آدم: فلم يمتلك عزمًا متماسكًا ولم يُظهر تعليلًا ولا مواجهة ولم يصدر عنه تحدٍّ أو استعلاء.
بالمعيار الميتابايولوجي، إبليس يمثل نفسًا متضخمة مكتملة التشكّل، بينما يمثّل آدم كائنًا في طور التكوين. ولهذا كانت التوبة ممكنة هنا، ومستحيلة هناك.
تكشف قصة آدم عن مبدأ حاكم في النظام الإلهي: فالله لا يحاكم الإنسان بوصفه آلة “أفعال”، بل بوصفه بنية “نيات”. وهذا ما ينسجم تمامًا مع جوهر المشروع الميتابايولوجي، والذي يرى أن: الفعل الإنساني لا يُفهم بمعزل عن البنية النفسية التي أفرزته ولا يُدان إلا بقدر ما ينطوي عليه من قصدٍ واعٍ واستعلاء داخلي.
ومن هنا نفهم لماذا: اختصّ اللهُ نفسَه بالحكم النهائي وأجّل هذا الحكم إلى يوم القيامة وحرّم على البشر أن يتقمصوا دور القاضي الأخلاقي النهائي.
إذا كان نسيان آدم يمثل الخلل البنيوي في صورته البدائية البسيطة، فإن التاريخ البشري اللاحق يكشف عن تضخّم هذا الخلل بعد التحويلة التطورية التي أنتجت نفسًا متسلطة وعقلاً بارعًا في التبرير وإرادة قادرة على العصيان مع سبق الإصرار.
ومن هنا يتبيّن لنا أن معصية آدم لم تكن سقوطًا، بل كانت كشفًا مبكرًا لهشاشة الإنسان، وتمهيدًا لضرورة الدين بوصفه نظامًا تصحيحيًا، وليس عقابيًا لغرض العقاب بحد ذاته؛ فهو “عقاب هادف” بالضرورة.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، مقدار الخطأ الذي يقع فيه أولئك الذين ينصّبون أنفسهم أوصياء على مصائر الناس ويُسقطون أحكامًا نهائية على صلاحهم أو فسادهم. فإذا كان آدم نفسه، وهو أول البشر، لم يُحاكم بمنطق الفعل المجرد، فكيف يتجرأ بشر على ما جعله الله حكرًا عليه؟ إن قصة معصية آدم ليست قصة سقوط أخلاقي، بل قصة ميلاد الإنسان الهش ذلك الكائن الذي خرج على الطبيعة، ولم يكتمل بعدُ ضبطه الذاتي، فكان الدين ضرورة وجودية، وليس تسلطاً أو إظهاراً للربوبية كما يتوهم أولئك الذين لم يقدروا الله حق قدره.
