
يصرُّ بعضُ المتدينين على تحكيمِ المنطقِ البشري في النَّصِّ القرآني، حتى وإن انتهى بهم الأمرُ إلى الخلوصِ إلى نتائجَ تتعارضُ مع مواضع أخرى من هذا النصِّ الإلهي المُحكَم تعارضاً لا يجدون غضاضةً في التعايشِ معه من دون أن يجعلَهم ذلك يتبيَّنون تناقضاً في مسلكِهم اللامنطقي هذا. ولقد أدى هذا المنهج الأهوج في مقاربةِ النصوصِ القرآنية إلى نتائجَ كارثية كما يتبيَّن لنا من مراجعةِ مئات السنين من اتِّباعِه.
ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ واحدةً من هذه النتائج التي ما كانت لتحدث لو أنَّ القومَ احتكموا إلى النَّصِّ القرآني عوضَ تحكيمِ عقولِهم فيه. فواقعنا يشهد، كما تشهد صفحاتٌ كثيرة من سجلاتِ التاريخ، على الآثارِ الكارثية لهذه النتيجة المتمثلة في التعاملِ مع آثارِ الأقدمين وفقاً لما ارتآه هذا البعض، وليس وفقاً لما جاءهم به النصُّ القرآني. وما تدميرُ هذه الآثار، وتحطيمُها، إلا تذكيرٌ بفداحةِ ما ينطوي عليه تحكيمُ العقل في النصِّ المقدس من فسادٍ في الأرضِ كبير. فلو أنَّ هؤلاء احتكموا إلى النصِّ القرآني لوجدوا فيما فصلته آياتُه الكريمة ما هو كفيلٌ بجعلهم لا يمسون هذه الآثار بسوء، وهي التي أرادها اللهُ تعالى أن تبقى تذكاراً للناسِ على مرِّ العصورِ بما لا ينبغي أن ينسوه من أنَّ معارضةَ الحق، ومعصيتَه، لا ينجمُ عنها إلا سوء العاقبة، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (من 36 النحل).
2- (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) (من 9 الروم).
3- (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (82 غافر).
هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإن القرآن العظيم لا يرد فيه على الإطلاق أيُّ نصٍّ يدعو المؤمنين إلى تحطيمِ التماثيل، حتى وإن كانت أصناماً وأوثاناً. فهذه المصنوعات البشرية هي دليل على فسادِ الإنسان حين يُسلِم قيادَه لنفسِه ويطيعُ هواه. ولذلك فإنَّ العقلَ السليم، والمنطقَ القويم، يقتضيان منا أن نُبقِيَ على هذه المصنوعات التي بوسعِها أن تُرِيَنا كيف يضلُّ الإنسان إن هو لم يتبع هَديَ الله ويتبع عوضَ ذلك هواه.
