
تُعد الأنثروبولوجيا الدينية، بمرتكزاتها المنهجية التي نشأت في سياق العلوم الاجتماعية الغربية، أداة تحليلية قوية لفهم الأبعاد الاجتماعية والثقافية للمعتقدات والممارسات الدينية. فملامحها الرئيسة قد أسهمت بلا شك في تجريد “ظاهرة التدين” كممارسة بشرية من قداستها لوضعها في إطارها البشري والاجتماعي. لقد نجحت الأنثروبولوجيا في إظهار الدين كنظام رمزي ومنطقي وكوظيفة تماسك اجتماعي.
ولكن، هل يُعيننا هذا المنهج على فهم أكثر شمولية ودقة للظاهرة الدينية؟
في إطارها الوصفي والتحليلي، لا خلاف على قدرة الأنثروبولوجيا على تحقيق الشمولية والدقة. فهي تفتح الباب لدراسة طقوس الشفاء الخارق عند الدراويش الصوفية مُفسرةً إياها كما يلي:
1. الطقوس الاجتماعية: كآليات لتصريف التوتر أو إثبات الشرعية الروحية.
2. أنثروبولوجيا الجسم البشري: حيث يُصبح الجسم في حالة الوجد (Trance) حاوياً أو مسرحاً لـ “البركة” (القوة الروحية)، مما يُعلّق مؤقتاً قوانين البايولوجيا البشرية.
ولكن التحدي يكمن في السؤال الثاني: هل ستُغلِّب مقاربتها المجتمعية على الظاهرة بحكم تخصصها المنهجي العلمي الدقيق؟
الإجابة المنهجية هي نعم. إن التزام الأنثروبولوجيا بـ “الحياد الإبستمولوجي” (Epistemological Neutrality) يحتم عليها النظر إلى الظاهرة الدينية كظاهرة مجتمعية وثقافية قابلة للاختزال (Reductionism)..فهدفها ليس فهم التجربة الصوفية من الداخل (أي كما يختبرها الصوفي)، بل فهم وظيفة هذه التجربة في تنظيم الجماعة أو معالجة مشكلاتها. وفي سعيه للدقة المنهجية، يُخاطر هذا العلم بتغليب المُنظِّر على المُتنظَّر فيه، أي أنَّ المنهج يُحكَّم في الظاهرة، وليس العكس.
إنَّ تدبر ما تقدم يبين لنا أن الحاجة باتت ماسة لتبني مقاربة جديدة للظاهرة الدينية عموماً، ولتجلياتها الصوفية على وجه الخصوص. فهذه المقاربة يجب أن تكون امتداداً للنقد المنهجي الذي بدأ يُشكك في إمكانية تطبيق أدوات العلوم الاجتماعية الغربية بحذافيرها على تجارب غير غربية. إنَّ هذه المقاربة الجديدة تدعو إلى:
1. الغلبة المعرفية للظاهرة: يجب أن تكون التجربة الروحية أو البركة المُختبَرَة (في حالة الشفاء الخارق) هي نقطة الانطلاق والتحكيم المعرفي، وليس المنهج الأنثروبولوجي الذي يميل إلى تفسير هذه التجربة كـ “آلية دفاع اجتماعية” أو “تنظيم رمزي”. يجب أن ننتقل من السؤال: “ما هي وظيفة هذه الطقوس في المجتمع؟” إلى السؤال: “ما هي حقيقة هذه التجربة الوجودية والقوة المُنبعثة منها؟”
2. تحرير المنهج من الإيديولوجيا: إذا كان المنهج الأنثروبولوجي يرتكز إيديولوجياً على المادية والتفسير الوظيفي، فإن المقاربة الجديدة يجب أن تفتح الباب أمام التحليل الوجودي والفينومينولوجي (Phenomenological) الذي يعطي الأولوية لـ وصف الظاهرة كما تتجلى للمُجرِّب.
إنَّ هذه الدعوة إلى تحكيم الظاهرة في النظرية، والتجربة الصوفية في المرتكزات الإيديولوجية للمنهج، هي لبنة تضاف إلى مشروع معرفي أشمل وأعمق (على غرار فكرة “عجلة العمالقة الفضائية والأرضية”). يتمثل الهدف النهائي في:
• فلسفة الظاهرة: بناء نظرية جديدة تنبثق مباشرة من بيانات التجربة الباطنية، بحيث لا تُعتبر هذه التجربة مجرد “معطيات” اجتماعية، بل قانوناً معرفياً بذاته.
• المصداقية الوجودية: استبدال مفهوم “التحليل الوظيفي” بمفهوم “المصداقية الوجودية” للظاهرة. فالشفاء الخارق لدى الصوفية، أو الوجد المتسامي، لا يُفسَّر لـ “ماذا يفعل للمجتمع”، بل يُحلَّل لـ “ماذا يُخبرنا عن الطبيعة المحتملة للوجود والإنسان”.
إنَّ الأنثروبولوجيا الدينية قدمت لنا إطاراً ضرورياً ومفيداً، لكنها وصلت إلى حدودها في تفسير العمق الوجودي للظاهرة الدينية. آن الأوان لاستخدام النقد المنهجي الذي نشأ داخل هذا العلم ذاته، لتصحيح بوصلة المعرفة، بحيث تصبح التجربة الروحية، في تجلياتها الصوفية المعقدة، هي القاضي الأعلى الذي يُحتكم إليه في صياغة أي نظرية علمية أو اجتماعية تتجرأ على تفسيرها.
