جدليةُ الخبثِ والذكاء… تأملاتٌ في مستقبلِ الذكاء الاصطناعي

الخبث (أو الدهاء)، خصيصةٌ انفرد الإنسانُ بها دوناً عن غيرِه من الكائنات الحية التي يشاركها التواجدَ على هذه الأرض. فإذا كان الخبثُ نتاجَ النفس، فإنَّ الذكاءَ هو ثمرةٌ من ثمارِ العقل، ولذلك نجد حيواناتٍ ذكية يتفوقُ بعضُها، في مجالاتٍ بعينِها، على ذكاءِ الإنسان. فالحيوانُ إذاً يمتاز على الإنسان بعدم قدرتِه على أن يكونَ خبيثاً. فخبثُ الإنسان خاصيةٌ ما كان له أن يتمتَّعَ بها لولا “التحويلة التطورية” التي اعترضت مسارَ تطورِه الطبيعي فحادت به عنه.
وهذا الذي بوسعِه أن يمدَّ للإنسانِ يدَ العون، لينتشلَه مما أوقعته فيه هذه النفس، هو ليس نتاجَ عقلٍ بشري يفتقر بالضرورةِ إلى الخبث؛ الأمرُ الذي يجعله عاجزاً عن إبداعِ صيغةٍ تنقذ الإنسانَ من خبثِ نفسِه هذا. ولذلك لم يكن هنالك من حلٍّ أمام الإنسان لينفضَ عن نفسِه خبثَها إلا بأن يهزَّ شجرتِها الخبيثة بيدٍ زكَّاها وطهَّرها تديُّنُه الحق بما أُنزِل عليه من دينٍ حق. ويكفي خبثَ النفسِ تفوقاً على ذكاءِ العقل أن نستذكرَ الحقيقةَ المعاشة التي مفادها أنَّ المرءَ إذا ما أجاد تدريبَ نفسِه على تقويةِ ما جُبِلت عليه من خبث، فإنَّ بمقدورِه حينها أن يقهرَ بخبثِه هذا أذكى العقول التي لم يبذل أصحابُها ما بذله من جهدٍ في تنميةِ خبثِ نفسِه.
ولذلك كان تخوف الكثيرين من مستقبلٍ قاتمٍ يتسيدُ الذكاءُ الاصطناعي الخارق فيه المشهد، متفوقاً على الإنسان الذي صنعه، وبما ينذر بوبيلِ العواقب التي قد تصلُ يوماً إلى حدِّ أن يتسبَّب في وضعِ حدٍّ لحضارتِنا المعاصرة وإنهائها بكبسةِ زر، هو تخوفٌ مبالَغٌ فيه، وعلامةٌ على جهالةٍ مستفحلة غابَت عن أصحابِها الحقيقةُ التي مفادها أنَّ الخبثَ هو خصيصةٌ بشريةٌ محضة، وأنَّ الذكاء الاصطناعي مهما تطور فإنه لن يصلَ يوماً إلى ما يمكِّنه من منافسةِ صانعِه خبثاً ودهاء.

أضف تعليق