من إنكار التوحيد إلى إنكار وجود الله في عصر العلم… الثابت والمتحول في موقف الإنسان من الدين

منذ فجر التفكير الجدالي ونشوء الخطاب الديني الأول، لم يكن ظهور الإيمان بالضرورة وحيداً في الساحة الفكرية؛ فقد واكبته دائماً ظاهرة موازية ومتكررة عبر الزمان والمكان: ظاهرة الموقف الرافض للدين. هذه الظاهرة تمثل محور مقالتنا، وهي ظاهرة فريدة في اتساعها الزماني والمكاني، حيث يتجلى بوضوح التناقض بين ثبات المضمون الجوهري للرفض، وبين التنوع المذهل في سياقاته وأشكاله وحججه.
إن المتتبع لتاريخ الاعتراض على الرسالات الإلهية يلاحظ أن الهدف ظل واحداً: رفض التسليم لسلطة عليا غيبية تُملي التكليف وتحدد المصير. لكن الآليات التي استخدمها الإنسان للتعبير عن هذا الرفض قد تطورت بشكل درامي ومثير. فإذا كان الإنسان في الأزمان السحيقة قد استعمل أدوات فكرية ومعرفية بدائية مرتبطة ببيئته وثقافته لإنكار التوحيد أو البعث أو الواجبات التعبدية والاجتماعية كالصلاة وإنفاق المال على الفقراء، فإن هذا الرفض قد شرع في التطور تدريجياً، متخذاً أبعاداً فلسفية ومعرفية أكثر تعقيداً، وصولاً إلى العصر الحديث.
لقد بلغت تجليات الرفض اليوم ذروتها في الاستناد إلى سلطة العلم والتفسير العقلاني، حيث أصبح الموقف الرافض يُعلن أن لا حاجة بعدها لوجود إله أو دين مادام العلم قد بسط سيطرته وقدرته على تفسير الظواهر تفسيراً منطقياً محكماً. هذا التطور لا يُلغي الموقف القديم، بل يلبسه ثوباً جديداً.
في هذه المقالة سيتم تقصي هذه التجليات المتنوعة للرفض، وذلك بتتبع خيطها الموحد من الإنكار الأولي للتكليف والتوحيد، إلى إنكار الحاجة لوجود الخالق في عصر العلم، وستُختم بتأكيد مفاده أن قوة الدين، كما كانت في الماضي، تكمن في منطقه الذاتي ومعجزاته المستمرة، التي تتيح له الدفاع عن نفسه وإثبات مصدره الإلهي في كل زمان ومكان، حتى في مواجهة تحديات عصر العلم المعاصر.
في المراحل الأولى من العلاقة بين الإنسان والخطاب الديني، كان الموقف الرافض يتخذ شكلاً مباشراً ومحدداً، يستهدف ركائز العقيدة والتشريع الأساسية التي جاء بها الوحي. ولم يكن الرفض حينها ينطلق بالضرورة من فجوة معرفية أو علمية، بل كان ينبع في الأساس من مقاومة داخلية للتغيير في أنماط الحياة والاعتقاد والتقسيم الاجتماعي التي كرستها المجتمعات البشرية على مر التاريخ. ولقد تجلى هذا الرفض القديم في أربعة محاور رئيسية، شكلت العمود الفقري لاعتراضات البشرية على الدعوات التوحيدية:
1. إنكار التوحيد الخالص (مقاومة مصدر السلطة)
كان الاعتراض الأول والأكثر ضراوة هو رفض نبذ “تعدد الآلهة” والتحول إلى الإيمان بـ “إله واحد”. حيث شَّكل الإيمان بالآلهة المتعددة إطاراً اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً لقرون طويلة، ولهذا، كان القبول بالتوحيد الخالص يعني هدم منظومة كاملة من الموروثات والمصالح المتشابكة. فكان السؤال المتعجِب: “أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ” (5 ص). إن هذا الرفض لم يكن مجرد اختلاف في العدد، بل كان رفضاً لمركزية السلطة والتشريع في مصدر واحد غير مرئي، وبما يقتضيه ذلك من التزام مطلق.
2. مقاومة الغيب (إنكار الحساب والمصير)
أظهر الإنسان القديم مقاومة شديدة لكل ما جاء به الدين عن البعث والنشور والقيامة، وهي ركائز تحدد معنى الحياة ومآلها. ولم يتقبل العقل البشري، المحصور في محسوساته، فكرة إحياء الأجسام بعد فنائها وتحولها إلى تراب، فكانت حججهم ترتكز على الاستبعاد الحسي، مجاهرين بإنكار “مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ” (78 يس). إن هذا الإنكار ليس رفضاً للبعث في حد ذاته بقدر ما هو رفض للآثار المترتبة عليه، وهي المساءلة والمحاسبة الإلهية التي تقيد الحرية المطلقة للنفس البشرية.
3. الاعتراض على التكليف المالي والاجتماعي
لم يتوقف الرفض عند حدود العقائد البحتة، بل امتد ليطال الواجبات العملية التي فرضها الدين، خصوصاً تلك المتعلقة بإعادة توزيع الثروة وإقامة العدل الاجتماعي. فالأوامر التعبدية مثل الصلاة والزكاة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين، مثلت عبئاً على النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم آنذاك، والذي كان يكرس الفوارق والامتيازات، فكان رفضهم للزكاة والإنفاق رفضاً لالتزام اجتماعي يهدد مصالحهم الطبقية، مما يؤكد أن جزءاً من الرفض للدين هو رفض للنظام الأخلاقي والاقتصادي العادل الذي يدعو لإقامته.
4. رفض مبدأ المساواة القائم على التقوى
من أشد ما قاومته النخب والطبقات العليا في المجتمعات البشرية على مر العصور، تأكيد الدين على أن “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى”. هذا المبدأ هدم الأسس التي قام عليها تفوقهم الاجتماعي والعرقي والمادي وجعل المعيار الإلهي للتميز هو القلب والسلوك الداخلي، وليس الأصل أو الثروة. وبالتالي، كان اعتراضهم على من اتبعوا الرسل من الفقراء والضعفاء، وإعلانهم رفض الجلوس معهم، هو في جوهره رفض لمبدأ المساواة الأخلاقي الذي لا يميز بين الناس إلا بمدى التزامهم بأوامر الله.
لقد شكلت هذه المحاور الأربعة إطار الرفض في العصور القديمة. ومع مرور الأزمان وتطور أدوات المعرفة، كان لا بد لهذه الحجج أن تتطور هي الأخرى، لتنتقل من إنكار تفاصيل التوحيد والبعث إلى إنكار الحاجة لوجود الخالق نفسه.
ولكن، ومع بزوغ عصر الأنوار والثورات العلمية والمنهجية، شهد الموقف الرافض للدين تحولاً جذرياً في أدواته وحججه؛ إذ لم يعد الاعتراض مُنصباً بشكل رئيسي على تفاصيل العقائد القديمة كـ “كيف يكون البعث؟” أو “ما هي الحكمة من الصلاة؟”، بل تطور ليصبح اعتراضاً على جواز بقاء الدين أو الإله أصلاً في منظومة الفكر البشري. إن الجوهر الرافض للتسليم ظل ثابتاً، لكنه استبدل حجة “الإنكار العقائدي” بحجة “الاستغناء المعرفي”.
1. صعود “الإله المفسر” وهبوطه
في المراحل ما قبل العلمية، كان الدين والإله يُنظر إليهما، جزئياً، كـ “تفسير لكل ما لا يمكن تفسيره”. وكانت الظواهر الكونية العظيمة، من الرعد والمطر إلى الأمراض والمجاعات، تُعزى إلى تدخل إلهي مباشر باعتباره التفسير الوحيد المتاح لعمل الطبيعة. وقد كانت هذه الفجوات المعرفية هي مساحة الضرورة الوجودية للدين في العقل البشري.
2. التفسير العقلاني كبديل وظيفي
مع تقدم العلوم التجريبية، والقدرة على تفكيك الظواهر الطبيعية إلى قوانين فيزيائية وكيميائية ومنطقية، أصبح لدى الإنسان تفسيرات مادية وعقلانية للعديد من الأسرار الكونية التي كانت تُعزى سابقاً إلى الغيب؛ إذ تمكن العلم من تقديم نماذج تفسر الظواهر بدقة وفعالية، بدءاً من حركة الكواكب وصولاً إلى التكوين البيولوجي للحياة.
وهنا، نشأت الحجة الحديثة للرفض: إذا كان العلم بمقدوره أن يفسر الظواهر تفسيراً عقلانياً منطقياً، فلا حاجة بعدها إلى الدين أو إلى إله كان الإنسان قبل عصر العلم يعتقد أن لا تفسير لهذه الظواهر إلا ذاك الذي يقدمه الدين الذي أنزله هذا الإله.
3. تحول الرفض من التكليف إلى الإلغاء
في العصور القديمة، كان الرفض موجهاً ضد التكليف (لماذا نصوم؟ لماذا نُزكي؟). أما في العصر الحديث، فقد أصبح الرفض موجهاً نحو الإلغاء الوجودي (لماذا نحتاج الإله أصلاً؟). وتحول الدين من كونه “عقيدة مرفوضة” إلى “فرضية غير ضرورية” أو “بنية معرفية عفا عليها الزمن”.
4. الإشكال الجوهري: الخلط بين “الكيفية” و”المُنشئ”
إن هذا الموقف الحديث، على الرغم من اعتماده على العلم، فإنه يقع في مغالطة جوهرية إذ أنه يخلط بين:
• تفسير الكيفية: (How) وهو ما يقدمه العلم من قوانين وآليات لعمل الكون (كيف تسير حركة الكواكب؟).
• الإجابة عن المُنشئ: (Why) وهو ما يقدمه الدين من معنى وغاية وخالق لهذا الكون والقوانين (لماذا يوجد الكون أصلاً؟).
فإثبات العلم لـ “كيفية” عمل ظاهرة ما، لا ينفي ضرورة وجود “مُنْشِئ” أوجد هذه القوانين التي تعمل بها الظاهرة. ومع ذلك، فإن هذه الحجة الحديثة تظل هي التجلي الأحدث والأكثر تأثيراً للموقف الرافض الذي يسعى دائماً إلى إيجاد أداة معرفية تنزع عن الدين سلطته وضرورته.
لقد أوصلنا هذا المسار التاريخي إلى اللحظة الراهنة، حيث أصبح على الدين أن يواجه تحدياً لم يعد يقتصر على نفي الرسالة، بل تعداه إلى نفي الرسول والرسالة والإله معاً. الأمر الذي يستدعي دفاعاً عن الدين يستمد قوته ليس فقط من الماضي، بل من منطق ذاتي متجدد وقادر على المواجهة في ساحة العلم والعقلانية.
إن استعراض كافة تجليات الموقف الرافض للدين عبر العصور، من إنكار التوحيد إلى إنكار الإله باسم العلم، يوصلنا إلى حقيقة محورية: أن الدين، رغم ثبات جوهر رسالته، هو كيان حيوي يتمتع بقدرة ذاتية على الدفاع عن نفسه وإثبات أصله الإلهي في مواجهة أي تحدٍ معرفي، قديمٍ وحديث.
لقد استند الدين في إثبات الأصل الإلهي لرسالته على مبدأين ثابتين بمقدورهما البرهنة على أنه حقٌ منزلٌ من عند الله في الأزمان الغابرة، وهما ذات المبدأين اللذين يمكنهما قيادة دفة الدفاع عنه في عصر العلم هذا. وهذان المبدآن هما: الإحكام المنطقي الذاتي والمعجزة التي لا تنتهي.
1. الإحكام المنطقي الذاتي (البراهين الداخلية)
في الأزمان القديمة، كان منطق الخطاب الديني يثبت أصالته بـ “كمال الاتساق” و “استمرارية الصلاحية”، كما يشير إليه النص القرآن: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء)، وهذا الاتساق كان برهاناً عقلياً على أن مصدره ليس بشرياً. واليوم، في عصر التخصص العلمي، يتجلى هذا الإحكام في: التوافق الكوني؛ حيث نجد أن المبادئ الكبرى التي جاء بها الدين، والمتعلقة بخلق الكون وبداية الحياة ووجود القوانين، لا تتعارض في جوهرها مع الاكتشافات العلمية الحديثة، بل أحياناً تتنبأ بمساراتها، مما يعزز فكرة وجود مُنظّم لهذا الكون، لا يتناقض كلامه مع حقيقة صنعه.والإعجاز التشريعي والنفسي؛ فقدرة التشريعات الدينية على تحقيق العدل والسعادة والاستقرار للمجتمعات، وقدرتها على تفسير النفس البشرية المعقدة وعلاج أمراضها الوجودية يمثل دليلاً منطقياً على أن مصدرها يحيط علماً بجميع تفاصيل المخلوق.
2. المعجزة التي لا تنتهي (البراهين الخارجية)
لم يكن إثبات الدين لأصله الإلهي مقتصراً على المنطق المجرد، بل تعداه إلى المعجزة الحسية التي تتجاوز القوانين المادية المألوفة. فإذا كانت المعجزات في الماضي تظهر تحدياً للقدرات البشرية المحدودة (كإحياء الموتى أو قلب العصا إلى ثعبان)، فإن المعجزة في عصرنا اتخذت أبعاداً جديدة ومستمرة تتحدى العقلانية المادية:
• الإعجاز العلمي المتجدد: اكتشاف حقائق كونية وطبيعية في النصوص الدينية لم يكن للعقل البشري أن يدركها في زمن نزول تلك النصوص، مما يثبت أن هذه النصوص سابقة لعصرها المعرفي وتتجاوز قدرة الإنسان.
• استمرارية الوجود: أكبر معجزة للدين اليوم هي قدرته على البقاء والصمود والنمو وتقديم الإجابات الوجودية (المعنى والغاية والمصير) والتي يعجز العلم عن الإجابة عليها. فالدين يملأ “فراغ المعنى” الذي أفرزه الاكتفاء بالتفسير المادي، ويقدم نظاماً أخلاقياً ثابتاً لا يتغير بتغير المصالح.
في الختام، يتبين لنا أن الدين ليس مجرد فرضية تفسيرية يمكن إلغاؤها بظهور فرضية علمية بديلة، وذلك لأن الدين منظومة وجودية متكاملة لا تتأثر جوهرياً بتطور حجج الرفض. وبينما يستمر الإنسان في صياغة أشكال جديدة لاعتراضاته، سواء كانت بسم التوحيد المضاد أو بسم العلم، يظل الدين يحمل في طياته منطقه الأبدي وشهادته المستمرة، مؤكداً أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه قادر على إضاءة طريق الإنسان في كل عصر، حتى في أكثر العصور تقدماً علمياً.

أضف تعليق