بين العدالة والعلاج… نقدٌ منهجي لتسييس الاضطراب النفسي في الجرائم فائقة العنف في الولايات المتحدة

تواجه المجتمعات الحديثة معضلة أخلاقية وقانونية بالغة التعقيد حين يتعلق الأمر بالجرائم المفرطة في عنفها، تلك التي تتجاوز حدود الإجرام التقليدي لتلامس مستويات من التوحش لا يمكن تفسيرها بسهولة ضمن الأطر السلوكية المعتادة. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وقوع هذه الجرائم فحسب، بل في المنهج الذي تتبناه المؤسسة القانونية الأمريكية في التعامل مع مرتكبيها، وهو منهج يكشف، عند التدبر، عن خللٍ عميق في موازين العدالة، وعن خضوعٍ غير مبرر لسلطة التأويل النفسي على حساب الردع القانوني.
يثير الإصرار المتكرر على تصنيف مرتكبي الجرائم فائقة العدوانية بوصفهم “مرضى نفسيين” سؤالًا منهجيًا جوهريًا مفاده: كيف تسنّى للمؤسسة القانونية أن تبلغ درجة من اليقين المطلق تجعلها تُسقِط المسؤولية الجنائية الكاملة عن مجرمٍ أظهر وعيًا سلوكيًا وتخطيطًا مسبقًا وقدرة تنفيذية عالية؟
إن كثيرًا من هذه الجرائم لا تصدر عن انفصال تام عن الواقع، ولا عن انهيار إدراكي شامل، بل عن عقل مدرك ومنظم وواعٍ بعواقب أفعاله، حتى وإن كان عدوانيًا أو مختلًّا أخلاقيًا. ومع ذلك، تُختزل هذه الأفعال في توصيفات نفسية فضفاضة تُحوِّل الجريمة من فعل إرادي إلى “عرض مرضي”، في انزلاق خطير من العدالة إلى التبرير.
تفترض الأنظمة القانونية الرشيدة أن العقوبة ليست انتقامًا، بل أداة ردع وحماية اجتماعية. غير أن اعتماد “المعاملة الخاصة” لمرتكبي الجرائم المتوحشة، عبر الإيداع في “أجنحة نفسية” أو إخضاعهم لعلاج طويل الأمد، يقوّض هذا المبدأ من أساسه.
ولو طُبِّقت العقوبات القصوى بحق من يثبت تورطهم في جرائم مفرطة العدوانية، مع توافر القصد الجنائي والوعي التنفيذي، لكان من المنطقي افتراض انخفاض ملموس في معدلات هذا النوع من الجرائم. فالرسالة التي يبعثها التساهل العقابي ليست “إنسانية”، بل خطيرة للغاية؛ حيث أن أقصى درجات العنف قد تُواجَه بأقصى درجات التفهُّم.
لا يمكن إعفاء مؤسسة الطب النفسي الأمريكية من جانبٍ معتبر من المسؤولية. فالعجز عن تقديم تمييز دقيق بين الاضطراب النفسي الذي يُسقط الأهلية الجنائية، وبين الانحراف العدواني الواعي، يمثل إخفاقًا علميًا وأخلاقيًا في آنٍ واحد.
لقد تحوّل التشخيص النفسي، في كثير من الحالات، من أداة فهم وعلاج إلى آلية إجرائية لتخفيف المسؤولية، دون وجود معيار صارم يربط بين المرض وفقدان الإرادة أو الإدراك. وهنا يصبح الطب النفسي شريكًا، ولو عن غير قصد، في إفراغ العدالة من مضمونها الردعي.
إن استمرار هذا النمط من التعامل يثير تساؤلًا لا يمكن تجاهله مفاده: هل نحن أمام خطأ مهني بريء، أم أمام بنية مؤسسية لها مصلحة في إدامة هذا التصنيف؟
فوجود تدفّق مستمر لمجرمين فائقي العنف إلى المؤسسات النفسية يوفّر:
1. مادة بحثية “نادرة” لدراسة الدماغ العدواني
2. تمويلًا دائمًا للمراكز والأجنحة المتخصصة
3. مبررًا لتوسيع نفوذ الطب النفسي في القرار القانوني
وهنا تتحوّل معاناة المجتمع إلى مورد معرفي ومؤسسي، وتُقدَّم السلامة العامة قربانًا لفضول علمي أو مصلحة بيروقراطية.
إن الإصرار على هذا النموذج الهش لن يفضي إلا إلى تطبيع العنف المتوحش وتشجيع الجناة المحتملين على الرهان على “المرض” كملاذ قانوني وتآكل ثقة المجتمع بمنظومة العدالة وتضخم المؤسسات العلاجية على حساب الأمن العام
ولا تفسير لهذه النتائج سوى أن الخلل ليس في الحالات الفردية، بل في الإطار المفاهيمي نفسه.
إن إعادة التوازن بين العلاج والعدالة ليست دعوة إلى القسوة، بل إلى الإنصاف العقلي والأخلاقي. فليس كل اضطراب نفسي مبررًا لإلغاء المسؤولية، وليس كل عدوان عرضًا مرضيًا. وما لم تُراجع المؤسسة القانونية الأمريكية علاقتها بالخطاب النفسي، وتستعيد سيادتها في تقدير المسؤولية والعقوبة، فإن المجتمع سيبقى رهينة نموذج يُداوي الجناة… ويترك الضحايا بلا عدالة، ويترك المستقبل مفتوحًا على مزيد من العدوان المتوحش.

أضف تعليق