حين تنتصر الخريطة على السلاح… الجغرافيا كعامل حاسم في الحروب

غالبًا ما تُختزل أسباب النصر والهزيمة في الحروب الحديثة بعوامل مثل التفوق التكنولوجي أو جودة التسليح أو كفاءة الجيوش أو التفوق الاستخباراتي. غير أن هذا الاختزال يُغفل عنصرًا بنيويًا ظل، عبر التاريخ، أكثر العوامل حسمًا في الصراعات الممتدة: الجغرافيا. فالجغرافيا ليست مجرد مسرحٍ تُخاض عليه الحرب، بل هي فاعلٌ صامت يعيد تشكيل موازين القوى ويقلب معادلات التفوق ويفرض حدودًا قصوى لما تستطيع التكنولوجيا تحقيقه.
تهدف هذه المقالة إلى بيان كيف ولماذا تصبح المساحة الجغرافية الواسعة عاملًا حاسمًا في ترجيح كفة النصر في الحروب التقليدية الكبرى، ثم اختبار هذه الفرضية عبر سيناريو افتراضي لمواجهة عسكرية تقليدية بين روسيا وقوى الغرب الأوروبي، في ظل افتراض عزوف الولايات المتحدة عن التدخل المباشر.
غير أنه لا يمكن إنكار أهمية جملة من العوامل التي تُسهم في تحديد مآلات أي صراع مسلح، ومن أبرزها:
1. القدرة الصناعية والعسكرية (الإنتاج، التعويض، الاستدامة).
2. القيادة السياسية والعسكرية.
3. المعنويات والتماسك المجتمعي.
4. التفوق التكنولوجي والاستخباراتي.
5. التحالفات والدعم الخارجي.
غير أن جميع هذه العوامل، مهما بلغت قوتها، تظل مقيّدة بإطار جغرافي يحدد سقف فعاليتها. فالتكنولوجيا لا تعمل في الفراغ، والقدرة النارية لا تُمارَس خارج المكان. فالجغرافيا تمنح بعض الدول مزايا استراتيجية لا يمكن تعويضها، من أبرزها:
• العمق الاستراتيجي: القدرة على امتصاص الضربات دون انهيار فوري.
• تشتيت بنك الأهداف: كلما اتسعت الرقعة الجغرافية تضاءلت فعالية الضربات الدقيقة.
• إرهاق الخصم لوجستيًا: الامتداد المكاني يضاعف كلفة الهجوم مقارنة بالدفاع.
• المرونة العملياتية: حرية المناورة وإعادة الانتشار.
هذه المزايا لا تُكتسب بالتكنولوجيا، بل هي معطى جغرافي سابق على أي صراع.
والآن لنناقش سيناريو افتراضياً تتصاعد فيه مواجهة عسكرية تقليدية بين الاتحاد الروسي وقوى أوروبية غربية، مع قرار أمريكي، في ظل إدارة تميل إلى الانكفاء بعدم الانخراط المباشر في القتال.
في هذا السياق تمتلك الدول الأوروبية مساحات جغرافية محدودة نسبيًا وتتركز البنية التحتية الحيوية (الطاقة، الاتصالات، الصناعة، الموانئ، القواعد العسكرية) في رقعة ضيقة وأي استهداف واسع النطاق يؤدي إلى شلل سريع في الوظائف الحيوية للدولة. في المقابل، يمتد المجال الجغرافي الروسي على مساحة يمكن وصفها بحق بـ “شبه القارة الروسية”: شبكة أهداف مترامية الأطراف وقدرة عالية على امتصاص الضربات دون انهيار شامل وصعوبة تحقيق شلل استراتيجي شامل حتى مع تفوق ناري معادٍ.
في الحروب الحديثة، لا يكمن التفوق فقط في القدرة على الضرب، بل في القدرة على شل الخصم سريعًا.
وهنا يظهر الفارق الجغرافي بوضوح:
• في الدول الأوروبية، يتحول “بنك الأهداف” إلى عنق زجاجة استراتيجي؛ فعدد محدود من الضربات الدقيقة قد يُفضي إلى انهيار واسع.
• أما في الحالة الروسية، فإن بنك الأهداف ممتد وموزّع وغير مركزي، ما يجعل تحقيق أثر استراتيجي مماثل مهمة شديدة التعقيد والكلفة.
وهكذا، تتحول الجغرافيا من مجرد خلفية إلى درع استراتيجي صامت.
تعتمد العقائد العسكرية الغربية الحديثة، بدرجة كبيرة على الحسم السريع والضربات الدقيقة وتقليص زمن الصراع. غير أن هذه العقيدة تصطدم بجدار الجغرافيا الواسعة؛ حيث يطول أمد الحرب وتتآكل الإرادة السياسية وتتضخم الكلفة الاقتصادية ويتحول التفوق التكتيكي إلى عبء استراتيجي.
إن التاريخ العسكري يؤكد أن الدول ذات الامتداد الجغرافي الواسع لا تُهزم سريعًا، حتى إن خسرت معارك عديدة.
تخلص هذه المقالة إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الجغرافيا، في الحروب الكبرى، تحسم ما تعجز القوة التقنية عن حسمه. وفي أي مواجهة تقليدية واسعة النطاق بين روسيا وقوى الغرب الأوروبي، في غياب تدخل أمريكي مباشر، فإن ميزان الغلبة لا يميل تلقائيًا إلى الطرف الأكثر تطورًا تقنيًا، بل إلى الطرف الذي يمتلك الامتداد الجغرافي الأوسع، والقدرة الأعلى على امتصاص الصدمة والاستنزاف. إنها معركة بين الدقة التقنية والمساحة الجغرافية، وبين الضربة السريعة والقدرة على الاحتمال، وغالبًا ما تكسب الأخيرة.

أضف تعليق