
تختزنُ بعضُ أمثالِ الشعوب محتوىً معرفياً متعالياً على الزمانِ والمكان، الأمرُ الذي يجعلها صالحةً مهما تعقدت السياقاتُ المعيشية بتعقُّدِ الظروفِ التي تَحتَّم على الإنسانِ أن يكابدَ قسوتَها منذ أن اضطرَّه قدَرُه التكويني إلى وجوبِ ألا يرضى بما كان يُرضي آباءَه. ومع تعقُّدِ الحياة، وازديادِ تطلعاتِ الإنسان ليحوزَ ما يمكِّنُه من التوسُّعِ أكثرَ فأكثر، ومراكمةِ المزيدِ من الثروات، كان لابد من أن تنشبَ الحروب وأن يزدادَ تورطَ الإنسان فيها، وأن تجتذبَ إلى ساحاتِ معاركِها المزيد والمزيد من الأطراف التي لا تريد أن يفوتَها شيءٌ من مغانمِها ولا أن تُحرَمَ بعضاً من مكاسبِها. غيرَ أنَّ من البشرِ فئةً عركتها السنون وجعلتها المِحَنُ لينةً مطواعة فأسلمت للحقيقةِ قيادَها فانطلقت ألسنتُها بأقوالٍ تنطوي على حكمةٍ بالغة. ولقد احتوت هذه الحِكَمُ على ما أمِلَ أصحابُها أن تكونَ هاديةً للناسِ لما فيه صلاحُهم وأمانُهم ورغيدُ عيشِهم، وبما يجنبهم ويلاتِ الحروب وغوائلَ التصارع العقيم من كلِّ ما فيه صلاحِ العبادِ والبلاد.
ومن هذه الحِكَمِ المتعاليةِ على الزمانِ والمكان، ما قالته العربُ في وجوبِ التمهُّلِ والتروِّي قبل الانخراطِ في حربٍ لا يعلمُ إلا اللهُ متى ستضعُ أوزارَها. وتمثِّلُ الحكمةُ العربيةُ القديمة “حربٌ لا ناقةَ لنا فيها ولا جَمَل” واحدةً من تلك الحِكَم التي لو اهتدى الناسُ في كلِّ زمانٍ ومكان بضيائِها، لجنَّبهم ذلك مغبةَ المعاناة من مآسٍ لابد وأن تنطوي عليها المشاركةُ في الحرب، أي حرب. ولقد كان بمقدورِ حُكامِ أوروبا أن يُجنِّبوا بلادَهم واقتصاداتِهم خسائرَ فادحةً لو أنَّهم اهتدوا لهذا المثَلِ المتفجِّرِ بلاغةً وحكمة، ولكانوا بذلك قد عجَّلوا بوضعِ حدٍّ للحربِ الروسية- الأوكرانية عوضَ صبِّ كلِّ هذا الزيتِ على نارِها! فتدبُّرُ كلِّ الأسبابِ التي ساقَها، ويسوقُها، هؤلاء الحُكام لن تجعلَنا نوافقهم فيما اتخذوه من قرارٍ بإقحامِ بلادِهم في حربٍ لا ناقةَ لهم فيها ولا جَمَل.
