
يبين لنا تدبُّرُ الآياتِ الكريمة التي فصَّلت أوامرَ اللهِ التي تشتمل على تبيانٍ لما يتوجب على العبد أن يتحلى به من خصالٍ وصفات حتى يكونَ من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أنَّ هنالك ترابطاً موضوعياً بين هذه الأوامرِ كلِّها جميعاً. فالاعتصامُ بالله، والتوكل على الله، وتقوى الله، وإطاعة الله، صفاتٌ يجمع بينها التوحيد الذي هو جوهر الدين الحق الذي دعا أنبياءُ الله المُرسَلون أتباعَهم إلى اعتمادِه نبراساً على صراطِ اللهِ المستقيم وعاصماً من أن يرتدوا إلى الشِّرك والإيمانِ بآلهةٍ متعددة. فما الاعتصام بالله، في حقيقتِه، إلا التجاءٌ إلى الله يحول دون أن يجنحَ العبدُ بعيداً عن هَدي الله. وما التوكل على الله إلا إقرارٌ بأن “لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله”، وبأنَّ الأمرَ كلَّه لله. وهذا ينسحب بالضرورة على كلِّ صفةٍ أمرَنا اللهُ تعالى بأن نجتهدَ حتى نكونَ أهلاً للاتصافِ بها والارتقاءِ بحالِنا مع الله بتمثُّلِها والعمل بموجبِها.
فالاعتصامُ باللهِ إذاً هو توكلٌ على الله، كما أنَّ التوكُّلَ على الله هو بدورِه اعتصامٌ بالله. ولذلك نقرأ في قرآنِ اللهِ العظيم قولَ اللهِ تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (145- 146 النساء).
فالاعتصامُ بالله هنا يعدلُ كلَّ عملٍ صالح يجعل المؤمنَ، إن هو أتقنَه فأداه على الوجهِ الذي أمرَ اللهُ تعالى به، من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولذلك نقرأُ في الآيةِ الكريمة 175 النساء قولَ اللهِ تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
ولذلك توجَّه اللهُ تعالى إلى عبادِه الذين آمنوا بأن يعتصموا به اعتصاماً تنوعت تعريفاتُه التي تكشف النقابَ عما ينبغي على المؤمنِ القيامُ به إذا ما أراد أن يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (من 101 آل عِمران).
2- (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (من 103 آل عِمران). (175 النساء).
3- (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير) (من 78 الحج).
خلاصةُ القول: الاعتصامُ بالله برهانُ توحيد الله وصدقُ العبدِ في التوكلِ على الله، ومكشافُ ما هو عليه من حالٍ مع الله، ومؤهِّلٌ لارتقاءِ العبد إلى ما يجعلُه أكثرَ قرباً من الله. وبذلك يكون الاعتصامُ بالله هو جماعَ كلِّ ما أراده الله لعبادِه الذين آمنوا أن يتصفوا به حتى يكونوا من المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
