
شكلت هزيمة يونيو حزيران 1967 نقطة انكسار كبرى في الوجدان العربي، حيث لم تعد تُقرأ بوصفها تعثراً عسكرياً عابراً، بل بوصفها “فضيحة وجودية” كشفت عُري البنى التحتية والفوقية للمجتمعات العربية. ومن رحم هذا الإحباط، تبلورت نزعة نقدية شرعت في جلد الذات الحضارية، منتقلة من نقد “الأداء السياسي” إلى نقد “البنية الذهنية”. لقد زعم مفكرون مثل زكي نجيب محمود في كتابه الشهير “تجديد الفكر العربي”، وأدونيس في كتابه “الثابت والمتحول”، وصادق العظم في كتابه “نقد الفكر الديني”، أن العقل العربي يعاني من قصور جوهري يمنعه من الحداثة.
لقد ذهب هؤلاء المفكرون إلى حد رسم فوارق “ماهوية” بين العقل العربي والعقل الغربي؛ حيث صوّروا العقل الغربي بوصفه كياناً متحرراً كلياً من القيود ومنتظماً في نظام معرفي قطَع تماماً مع “ظلمات القرون الوسطى”. وبالمقابل، وُصِم العقل العربي بأنه “عقل تراثي” أو “استقالي” يعيش عالة على الماضي.
لكن هذا الطرح يقع في فخ “المركزية الغربية”؛ فالحداثة الغربية لم تكن نتاج تغيير في “بيولوجيا العقل” الأوروبي، بل كانت نتاج تحول في الإرادة السياسية والظروف الاجتماعية التي سمحت للعقل بالعمل. إن النموذج الغربي ليس مثالاً للتحرر المطلق، بل هو عقل محكوم أيضاً بانحيازات وأيديولوجيات، لكنه يعمل ضمن مؤسسات تضبط تلك الانحيازات.
إن القول بوجود تمايز حقيقي بين العقول على أساس قومي أو جغرافي هو قول ينقضه العلم والمنطق. فالطبيعة البشرية واحدة؛ فالإنسان العربي، والغربي، وحتى إنسان الكهوف، يمتلكون ذات الجهاز العصبي والقدرات الإدراكية. فالعقل، في جوهره، هو أداة فائقة القدرة على التكيف والاستجابة. نحن جميعاً، كبشر، نقترف ذات “الانحيازات المعرفية” (Cognitive Biases)؛ فنحن نميل لتصديق ما يوافق هوانا ونقع في فخ التعميم ونخشى المجهول. هذه ليست نقائص “عربية”، بل هي “سمات بشرية”. الفرق يكمن في أن البيئة الخصبة في الغرب معززة بإرادة فردية قوية لتطويع المعرفة استطاعت استثمار هذا العقل، بينما قيدت البيئة العربية المأزومة قدرات هذا الجهاز، إلا في حالات معدودة.
إن ما يميزنا كبشر ليس “ماهية العقل”، بل الإرادة على تطويع هذا العقل ليكون أكثر كفاءة. فالعقل العربي ليس “عقلاً قاصراً” بطبعه، بل هو عقل عُطلت إرادته أو وُضع في بيئة طاردة للإبداع، إلا في حالات معدودة. فإذا ما أُنبت الإنسان العربي في بيئة معرفية سليمة، وكان مسلحاً بعزيمة صلبة، فإنه يزهر ويحقق أقصى درجات الإنجاز العالمي، تماماً كما يفعل نظيره الغربي.
