ابعاد استراتيجية معاصرة تنطوي عليها حكمة عربية قديمة

تسعى هذه المقالة إلى إعادة قراءة المثل العربي القديم “حربٌ لا ناقةَ لنا فيها ولا جمل” بوصفه مبدأً استراتيجياً عقلانياً يصلح لتوجيه قرارات الدول في بيئة دولية شديدة الاضطراب. وتجادل المقالة بأن تجاهل هذا المبدأ في الصراعات المعاصرة، ولا سيما الحرب الروسية–الأوكرانية، أدى إلى انخراط أطراف دولية في حروب لا تمس مصالحها الوجودية المباشرة، مما أسفر عن خسائر اقتصادية واستراتيجية كان يمكن تفاديها. تخلص المقالة إلى أن المثل لا يعكس موقفاً انسحابياً، بل يقدم معياراً دقيقاً لتقدير المصلحة الوطنية وحدود التدخل المشروع.
لطالما وُظِّفت الأمثال الشعبية بوصفها تعبيرات ثقافية بسيطة، غير أن كثيراً منها ينطوي على خلاصة خبرات تاريخية مكثفة تشكّلت عبر قرون من ملحمة “الصراع والبقاء”. ويأتي المثل “حربٌ لا ناقةَ لنا فيها ولا جمل” في صدارة هذه الحكم التي تعبّر عن وعي مبكر بطبيعة الحروب وكلفتها غير المتناسبة مع مكاسبها المتوهمة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم المثل بوصفه دعوة إلى الجبن أو الحياد المطلق، بل باعتباره تحذيراً من الانخراط في صراعات لا تحقق مصلحة مباشرة أو نقداً مبكراً لمنطق “الجرّ إلى الحرب” عبر التحالفات أو الإغراءات السياسية أو تشديداً على أن الحرب ليست قيمة أخلاقية بحد ذاتها، بل أداة قصوى لا تُستخدم إلا عند الضرورة الوجودية.
ويمكن تحويل مضمون المثل إلى معيار عملي لصناعة القرار عبر طرح الأسئلة التالية قبل أي انخراط عسكري:
1. هل تمسّ الحرب أمن الدولة القومي المباشر؟
2. هل توجد مصلحة حيوية قابلة للتعريف والقياس؟
3. هل تفوق المكاسب المتوقعة الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
4. هل يمكن تحقيق الأهداف بوسائل غير عسكرية؟
إذا جاءت الإجابة سلبية على هذه الأسئلة، فإن الانخراط في الصراع يتحول من قرار استراتيجي إلى مغامرة سياسية. إذ أظهرت تجارب القرن العشرين والحادي والعشرين أن كثيراً من الدول تورطت في صراعات لا تخصها مباشرة، تحت ذرائع حماية النظام الدولي أو ردع الخصوم أو الوفاء بالتحالفات. غير أن النتائج غالباً ما كانت إنهاكاً اقتصادياً واستنزافاً سياسياً وتفككاً اجتماعياً داخلياً. وهي نتائج تتناقض جذرياً مع مفهوم المصلحة الوطنية الذي يُفترض أن يكون حجر الأساس في أي قرار استراتيجي.
فالحرب الروسية–الأوكرانية تعد مثالاً واضحاً على تجاهل مبدأ “لا ناقة لنا فيها ولا جمل” في القرار الأوروبي. فعلى الرغم من أن الصراع يدور في جوار جغرافي حساس، إلا أن معظم الدول الأوروبية ليست طرفاً مباشراً في النزاع والكلفة الاقتصادية (الطاقة والتضخم وتراجع الصناعة) فاقت المكاسب السياسية وأدى الانخراط غير المباشر إلى إطالة أمد الحرب بدل تسريع تسويتها. ومن منظور استراتيجي بحت، فإن ضخّ الموارد والدعم في حرب لا تمس الأمن الوجودي المباشر، يعكس خللاً في تقدير الأولويات لا حكمة سياسية.
يُقال إن الامتناع عن التدخل يسمح للخصم بالتمدد وفرض أمر واقع. غير أن هذا المنطق يفترض أن كل صراع خارجي يشكّل تهديداً مباشراً ويتجاهل قدرة الدول على الردع غير العسكري ويُغفل أن التورط قد يخلق تهديدات أكبر من تلك التي كان يُراد منعها. وبالتالي، فإن ضبط التدخل لا يعني الاستسلام، بل يعكس فهماً أعمق لتوازن القوى وحدود الفعل.
والآن، ما الذي يمكننا أن نستخلصه بتدبر كل ما تقدم؟ الدروس الاستراتيجية المستخلصة:
1. الحرب أداة استثنائية لا تُستخدم إلا عند الضرورة القصوى.
2. التحالفات لا تُلغي مسؤولية الدولة عن تقدير مصلحتها الخاصة.
3. الانخراط في حروب الآخرين غالباً ما يُنتج أزمات داخلية طويلة الأمد.
4. الحكمة التراثية قد تتفوق على التنظير المعاصر في وضوح معاييرها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، إن المثل العربي “حربٌ لا ناقةَ لنا فيها ولا جمل” يثبت إنه ليس مجرد قول مأثور، بل قاعدة استراتيجية صالحة لكل زمان. وهو يدعو إلى عقلنة القرار السياسي، والتمييز بين الضرورة والمغامرة، وبين المصلحة الحقيقية والمصلحة المتخيلة. وفي عالم تتكاثر فيه الصراعات بالوكالة، تصبح العودة إلى هذه الحكمة ضرورة استراتيجية لا ترفاً ثقافياً.

أضف تعليق