ثمة فرق جوهري يغفله الكثيرون عند تتبع أصل مصطلح “البراءة المفقودة”؛ فبينما يصف العهد القديم شجرة البدء بأنها “شجرة معرفة الخير والشر”، يتركها القرآن الكريم “شجرةً” نكرة بلا صفة، وكأن جوهرها ليس في مسماها، بل في “التحول التكويني” الذي أحدثته في الكينونة البشرية. إن “البراءة المفقودة” في هذا السياق ليست مجرد “سقوط” أخلاقي، بل هي لحظة انقشاع الحجب عما كان موارياً، وانفتاح العين على واقعٍ لم يعد بسيطاً كما كان.
تقول الآية: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا) (من 20 الأعراف). هنا، لم تكن الأكلة سبباً في إيجاد القبح، بل كانت “التحويلة التطورية” التي جعلت الإنسان قادراً على إبصاره. لقد استبدل الإنسان براءته الواحدة بوعيٍ منقسم؛ وعيٍ يرى بهجة الحياة ويتحسس في آنٍ واحد ألم فنائها بالموت، ويشهد تناسق الطبيعة بينما يمارس هو صراعه الدامي مع أخيه الإنسان. هذا التناقض هو “الشقاء” الذي تنبأ به النص القرآني حين قال: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)، حيث الشقاء هنا هو عبء الوعي بالتضاد.
هذا العذاب الوجودي وجد تجليه الأعظم في رواية “سيد الذباب” (Lord of the Flies). إنها ليست مجرد قصة أطفال تائهين، بل هي محاكاة لتلك اللحظة القدرية؛ حيث تعرت النفس البشرية في “جزيرة/جنة” معزولة، لتكتشف أن “الوحش” ليس كائناً خارجياً، بل هو “السوآت” الكامنة التي وُوريت خلف قناع الحضارة. كل عمل أدبي يتناول فقدان البراءة هو في الحقيقة صدى لهذه الرواية، التي بدورها هي صدى لتلك الأكلة الأولى.
ولعل “لحظة فيتنام” في القرن العشرين كانت الثوران الأعظم لبركان هذا الوعي. هناك، على ضفاف الغابات المحترقة، أكلت البشرية المعاصرة من شجرة وعيها القبيح، فتكشفت “سوآت” الحضارة والتقدم. السينما والأدب الذي تلا تلك الحرب (مثل فيلم Apocalypse Now) لم يكن مجرد توثيق عسكري، بل كان “انكشافاً” جديداً للبراءة التي فُقدت؛ براءة العالم الذي ظن أنه تجاوز وحشيته، فإذا به يواجه عراءه الوجودي من جديد. إنها صرخة الإنسان الذي أدرك أن الشجرة التي أكل منها أبواه، لا تزال تثمر “شقاءً” يلاحق خطاه منذ فجر التكوين.
