هل يكفي مصطلح “الإنسانُ العاقل” (هوموسابينس) لتعريفِنا؟

يمثِّلُ الإنسانُ العاقل Homo sapiens مرحلةً تطورية سبقت ظهورَ الإنسان كما نعرفُه. فهل هناك فرقٌ جوهري بين هذين “الإنسانَين”؟ ولكن، هل يصحُّ أن نسمِّيَ الكائناتِ التي سبق ظهورُها ظهورَ الإنسان كما نعرفُه بهذه التسميات التي خرج بها علينا علمُ الإنسان (الأنثروبولوجيا)؟ وما الذي يجعلُ الكائنَ إنساناً بالمقارنةِ مع ما ظهرَ قبلَه من “أشباهِ الإنسان”؟ وهل يمثِّلُ الإنسانُ كما نعرفُه حلقةً متصلةً بسابقاتِها من الحلقات التي تُشكِّل كلُّها جميعاً سلسلةً واحدةً غيرَ منفصمة، أم أن هنالك “حلقةً مفقودة” Missing Link تمثِّل ما يمكن أن نطلقَ عليه تسميةَ “التحويلة التطورية”، أو “المنعطف التطوري” الذي لابد من افتراضِ وجودِه لنبرِّرَ لهذه القطيعة البايولوجية بين الإنسانِ كما نعرفُه والطبيعةِ التي خرجَ عليها يومَ كفَّ عن أن يكونَ “إنساناً عاقلاً” فحسب؟
أسئلةٌ لن يتأتى لنا أن نحصلَ على إجاباتٍ عليها إلا بأن نقارنَ بين الطبيعةِ وكائناتِها من نباتٍ وحيوان، وبين الإنسانِ كما نعرفه. فالطبيعةُ كيانٌ نظامي قائمٌ على توازنٍ وجودي بين مفرداتِه، وذلك من دون أن تطغى مفردةٌ على أخرى طغياناً يتعارضُ مع هذا النظام المحكَم؛ هذا النظامُ الذي يتجلى في تقيُّدِ كلِّ مفردةٍ من مفرداتِ الطبيعة بقوانينِه فلا تحيد عنها أبداً، الأمر الذي انعكس على الطبيعة اتساقاً بين هذه المفردات حتَّمَ عليها أن يخلوَ قاموسُ التعاملِ فيما بينها من كلِّ ما يميِّزُ عالَمَ الإنسان من قسوةٍ وظلمٍ وعدوانٍ وطغيان. فالناظرُ إلى عالَمِ الطبيعةِ وعالَمِ الإنسان لابد وأن يدهشَه ما يجمع بين البايولوجيا الحيوانية والبايولوجيا البشرية من قواسمَ وسِماتٍ مشتركة يكادُ تطابقُ بعضُها مع بعض يبلغ حدَّ التماثل المطلق في كثيرٍ من الأحيان. كما وأنَّ هذا الناظرَ لا يملك غيرَ أن يعجبَ لحالِ هذا الإنسان، الذي تتطابقُ منظومتُه البايولوجية مع منظومةِ الحيوان، وهو يراه يُقدِمُ على سلوكياتٍ يتعذر أن تُعزى إلى القوانينِ التي تسودُ عالَمَ الحيوان. فكلُّ ما في عالَمِ الإنسان يجعلُ الناظرَ إليه عاجزاً عن أن يتبيَّنَ السبيلَ إلى التوفيقِ بين هذا التطابقِ البايولوجي بين الإنسانِ والحيوان والتناشزَ النوعي بينهما. وبذلك يضطرُّ هذا الناظر إلى افتراضِ وجودِ هذه التحويلةِ التطورية التي نجمَ عنها ما أوجبَ على الإنسانِ أن يفارقَ عالَمَ الطبيعة فراقاً بإمكانِنا أن نرجعَ العلةَ من ورائه إلى ما أصبح عليه الإنسانُ العاقل بعد تلك التحويلةِ التطورية. فـ “الإنسانُ الجديد” هذا يصحُّ أن نصِفَه بأنَّه قد أصبح، بخروجِه على عالَمِ الطبيعة، كائناً يلازمُه هذا التناقضُ الصارخ بين طبيعتِه البايولوجية ونفسِه البشرية.
يتبيَّن لنا إذاً، وبتدبُّرِ كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النفس، التي صار الإنسانُ ملزَماً بمصاحبتِها له، قد حتمت عليه وجوبَ “التحول” إلى كائنٍ آخر غير الذي كان عليه يوم كان “إنساناً عاقلاً” (هوموسابينس).

أضف تعليق