البراءة المفقودة بوصفها حدثًا ميتابايولوجيًا… من الأكل من الشجرة إلى انقسام البنية الإنسانية

في القراءات التقليدية، يُفهم فقدان البراءة بوصفه لحظة أخلاقية: مخالفة ثم ذنب ثم عقوبة. غير أن هذا الفهم ينهار عند إخضاع النص القرآني لتحليل بنيوي صارم؛ فالقرآن لا يبني سرديته حول الذنب، بل حول التحوّل.
وهنا تحديدًا تفتح الميتابايولوجيا أفقًا تفسيريًا مغايرًا: ما حدث لآدم وزوجه لم يكن خروجًا أخلاقيًا عن النظام، بل خروجًا بنيويًا من نمط وجود إلى نمط وجود آخر. فالميتابايولوجيا لا تسأل: هل أخطأ الإنسان؟ بل تسأل: ما الذي تغيّر في تركيب الإنسان بعد الأكل من الشجرة؟
فقبل الأكل من الشجرة، كان الإنسان يعيش في حالة اتساق ميتابايولوجي: وعي غير منقسم وإدراك غير انعكاسي للذات وغياب التوتر بين الجسد والمعنى وعدم الوعي بالموت بوصفه نقيض الحياة. لكن الأكلة أحدثت صدعًا في البنية الإدراكية للإنسان. فالنص القرآني يقول: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ فما كان مواريًا ليس «معلومة»، بل طبقة وجودية كاملة من الإدراك لم يكن الإنسان مهيأً لها قبل تلك اللحظة. وهنا تتدخل الميتابايولوجيا لتؤكد: أن الإنسان لم يكتسب معرفة إضافية، بل انتقل إلى مستوى وعي أعلى من قدرته البيولوجية الأصلية على الاحتمال.
فوفق المنظور الميتابايولوجي، البراءة ليست فضيلة أخلاقية، بل: حالة وجودية ما قبل انقسام الإرادة والوعي كانت البراءة تعني: غياب التناقض الداخلي وعدم الانشطار بين الرغبة والخوف وعدم الوعي بالفناء بوصفه تهديدًا وجوديًا وعيش اللحظة دون إسقاطها على نهاية. فالأكلة أنهت هذه الحالة، وفتحت الباب أمام الوعي الانعكاسي أي أن يرى الإنسان نفسه من الخارج، وأن يدرك جسده بوصفه قابلًا للكشف وللانتهاك وللموت. وهنا يبدأ “الإنسان الميتابايولوجي” كائناً أوسع وعيًا مما تحتمله بنيته البايولوجية.
في الميتابايولوجيا، لا تُفهم الشجرة كموضوع محرم، بل كـ مُحفّز تحويلي. فالشجرة ليست هي القضية، بل ما فعّلته داخل الإنسان. فلقد أطلقت الشجرة الوعي بالموت والوعي بالزمن والوعي بالتناقض والوعي بالذات ككيان منفصل عن الطبيعة. ومن هنا نفهم لماذا لم تُفارق الشجرة الإنسان قط؛ إذ أنها لم تعد خارجية، بل مُدمَجة في بنيته النفسية والعصبية.
الطبيعة، كما نلاحظ، لا تعاني من هذا الصراع لا حزن وجودي ولا قلق من الفناء ولا عنف رمزي ولا شعور بالعبث. أما الإنسان، فبسبب تلك التحويلة الميتابايولوجية، أصبح الكائن الوحيد الذي يعرف أنه سيموت والكائن الوحيد الذي يشتاق إلى معنى لا يبلغه والكائن الوحيد الذي ينتج الجمال من الألم والكائن الوحيد الذي يمارس العنف باسم القيم. فالبراءة المفقودة هي فقدان الانسجام بين البنية البيولوجية والوعي المكتسب.
ومن هذا المنظور، لا يكون الأدب والفن ترفًا ثقافيًا، بل استجابة ميتابايولوجية لمحاولة ترميم الانقسام. فرواية “سيد الذباب” ليست قصة عن شر الأطفال، بل تجربة ميتابايولوجية تكشف أن العنف ليس طارئًا اجتماعيًا، بل كامِن في الإنسان بعد انقسامه الوجودي. أما لحظة فيتنام، فهي اللحظة التي انهار فيها وهم البراءة الحضارية، وظهر الإنسان الحديث عاريًا من أقنعته، تمامًا كما ظهر آدم بعد الأكل من الشجرة. الفن هنا لا يوثّق الشر، بل يوثّق الألم الناتج عن فقدان البراءة الميتابايولوجية.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه وعلى ضوء الميتابايولوجيا فإنه لا يمكن فهم البراءة المفقودة كسقوط أخلاقي أو خطأ تصحيحي أو مرحلة طفولية يجب تجاوزها. بل هي العبور الأول للإنسان من كائن منسجم إلى كائن متناقض، ومن وعي بسيط إلى وعي مُثقَل بما لا يُحتمل. ومن هنا، فإن محنة الإنسان ليست أنه فقد البراءة، بل إنه لم يعد قادرًا على استعادتها إلا بأن يفعل كل ما في وسعه ليُطهر إنسانيته من كل ما شابها من عوالق وتبعات تلك الأكلة، وهذا الأمر لن يتأتى له ما لم يتبع هدي الله خالقه.

أضف تعليق