
يُعدّ مصطلح Homo sapiens من أكثر المصطلحات رسوخًا في علم الإنسان الحديث، إذ يُفترض أنه يمثّل الذروة الراهنة لمسار تطوري طويل. غير أن هذا الافتراض يثير إشكالية معرفية عميقة:
هل يقدّم هذا المصطلح تعريفًا تفسيريًا لطبيعة الإنسان، أم يكتفي بوصف خصيصة إدراكية (العقل) دون الإحاطة بجوهر الكائن الإنساني؟
فالأنثروبولوجيا، في صيغتها الكلاسيكية، تعتمد معيار القدرة العقلية واستخدام الأدوات واللغة بوصفها محددات لما ينبغي ان يكون عليه كائنٌ ما، حتى يكون إنساناً. إلا أن هذه المحددات لا تفسّر الفارق الجوهري بين الإنسان والطبيعة، ولا تبرّر الخروج السلوكي للإنسان عن منطق النظام الطبيعي الذي تلتزم به سائر الكائنات الحية.
فالأدبيات التطورية تُدرِج الكائنات التي سبقت الإنسان المعاصر ضمن سلسلة متصلة: Homo habilis، Homo erectus، ثم Homo sapiens. غير أن هذا الإدراج يظل تصنيفيًا أكثر منه أنطولوجيًا. فالتسمية هنا لا تحسم سؤالًا جوهريًا: هل كان كلٌ من تلك الكائنات “إنسانًا” بالمعنى الوجودي، أم مجرد كائنات حيوانية عالية التنظيم؟ إن إطلاق صفة “الإنسان” على كائنات سابقة يفترض، ضمنيًا، استمرارية طبيعية غير منقطعة. غير أن مقارنة بسيطة بين سلوك الإنسان المعاصر وسلوك الطبيعة تزعزع هذا الافتراض.
فالبيولوجيا الحديثة تُظهر تقاربًا، بل تطابقًا في كثير من الأحيان، بين البنية البيولوجية للإنسان وتلك الخاصة بالحيوان. ومع ذلك، يكشف السلوك الإنساني عن نمط من الفعل لا يمكن تفسيره ضمن قوانين الطبيعة فالحيوان يقتل للبقاء أما الإنسان يقتل خارج منطق الضرورة والحيوان يحافظ على توازن منظومته البيئية أما الإنسان يدمّر منظومته التي يعيش داخلها والحيوان يخضع لقوانين الغريزة، بينما يخرق الإنسان كل سقف غريزي ممكن. هذا التناشز بين البايولوجيا المشتركة، بين الحيوان والانسان، والسلوك المختلف لكلٍ منهما عن الآخر نوعيًا يشكّل مأزقًا تفسيريًا لا تحلّه النماذج التطورية الخطية.
تقوم الطبيعة، في مجموعها، على نظام توازني صارم، تلتزم به جميع مفرداتها دون استثناء. ولا تعرف الطبيعة مفاهيم الطغيان أو الظلم أو العدوان بلا طائل؛ إذ إن كل فعل فيها محكوم بوظيفة بقائية محددة.
في المقابل، يظهر الإنسان بوصفه الكائن الوحيد القادر على تعطيل النظام الذي أنتجه واختراع أشكال من العنف غير الوظيفي وتدمير شروط وجوده نفسه. وهنا لا يعود الإنسان مجرد كائن طبيعي متطور، بل كائن خرج على الطبيعة ذاتها.
إزاء هذا المأزق، تقترح هذه المقالة ضرورة افتراض “تحويلة تطورية” أو “منعطف ميتابايولوجي” داخل المسار التطوري، لا تعني هذه الفرضية نفي التطور، بل نفي استمراريته الخطية الصافية. فالإنسان، وفق هذه الرؤية لم يتطور فقط، بل تحوّل من كائن مندمج في الطبيعة إلى كائن يحمل تناقضًا بنيويًا بين بايولوجيته ونفسه. هذه التحويلة أنتجت كائنًا جديدًا يمتلك جسد الحيوان ونفسًا لا تخضع لقوانين الحيوان.
تغدو “النفس” هنا المفهوم المفصلي لفهم الإنسان. فهي ليست امتدادًا غريزيًا، بل كيانًا يولّد القلق الوجودي والازدواج الإرادي والطغيان والخروج على النظام. وبذلك يصبح الإنسان، بعد هذه التحويلة، كائنًا ميتابايولوجيًا: كائنًا يحمل آثار الطبيعة لكنه لم يعد خاضعًا لها.
تخلص هذه المقالة إلى أن مصطلح Homo sapiens، على الرغم من أهميته البيولوجية، لا يكفي لتعريف الإنسان تعريفًا تفسيريًا جامعًا. فالإنسان كما نعرفه ليس مجرد حلقة في سلسلة تطورية، بل يمثل قطيعة معها. ومن دون افتراض تحويلة تطورية بنيوية، سيظل الإنسان لغزًا أنثروبولوجيًا غير قابل للفهم ضمن أطر البايولوجيا الكلاسيكية.
