في نقد النزعة الاختزالية في تفسير التراجع الحضاري

شكّلت نكسة عام 1967 لحظةً زلزالية في الوعي العربي المعاصر، لم تكن آثارها عسكرية أو سياسية فحسب، بل امتدت عميقًا إلى الحقل الفكري والمعرفي. ففي أعقاب الهزيمة، سادت في أوساط عدد من المفكرين العرب نزعةٌ تفسيريةٌ اختزلت أسباب التراجع الحضاري العربي في عاملٍ واحد جرى تضخيمه إلى حدٍّ مفرط: “العقل العربي”.
وقد تحوّل هذا العقل، في خطاب ما بعد النكسة، إلى متّهمٍ مركزي، بل إلى سببٍ بنيوي يُفسِّر الهزيمة ويبرّر الفشل ويُقدَّم بوصفه العقبة الكبرى أمام أي نهضة مرتقبة.
ولقد انطلقت تلك النزعة من فرضية مفادها أن الخلل لا يكمن في البنى السياسية أو الشروط التاريخية أو السياقات الجيوسياسية المعقّدة، بل في طريقة التفكير ذاتها.
وهكذا، شُرع في الحديث عن “خصائص” للعقل العربي، قُدِّمت بوصفها صفاتٍ ثابتة، منها: النزوع إلى النقل على حساب العقل والارتهان للموروث والعجز عن إنتاج معرفة حديثة والحساسية تجاه النقد والخضوع للسلطة الرمزية والدينية.
وفي مقابل هذا التصوير القاتم، جرى تقديم «العقل الغربي» بوصفه النقيض النموذجي: عقلٌ تحرر من قيود الماضي وقَطع مع تراث القرون الوسطى وأطلق طاقته المعرفية في فضاءات العلم والتقنية والفلسفة الحديثة.
غير أن هذا التقابل الحاد بين عقل عربي “متخلّف” وعقل غربي “متفوّق” لا يصمد طويلًا أمام الفحص المنهجي. فالعقل الغربي الذي يُستدعى نموذجًا جاهزًا ليس كيانًا متجانسًا ولا مسارًا مستقيمًا خاليًا من العثرات؛ بل هو نتاج قرونٍ من الصراعات الدموية والانقسامات الفكرية والحروب الدينية والاستبداد الكنسي والهيمنة الطبقية، قبل أن يبلغ ما بلغه من إنجازات.
إن اختزال التجربة الغربية في «تحرير العقل» وإسقاطها ميكانيكيًا على الواقع العربي، ينسى أن النهضة الغربية لم تكن نتاج فعلٍ عقلي محض، بل ثمرة تفاعلٍ معقّد بين الإرادة السياسية والتحولات الاقتصادية وبنية السلطة وشروط الإنتاج المعرفي.
إن الخلل الأعمق في الخطاب الناقد للـ”العقل العربي” يكمن في افتراضه وجود تمايز وجودي (أنطولوجي) بين العقول البشرية. فالإنسان، أيًّا كان موطنه أو ثقافته، يمتلك جهازًا معرفيًا واحدًا من حيث البنية؛ وذلك من حيث القابلية ذاتها للخطأ والانحيازات المعرفية نفسها والنزوع نفسه للتعميم والتسرّع والخضوع ذاته للتأثيرات النفسية والاجتماعية. فلا يوجد عقلٌ عربي بطبيعته عاجز، ولا عقلٌ غربي بطبيعته عبقري. فما يوجد، في الحقيقة، هو بيئات مختلفة وأنظمة تحفيز أو إعاقة وإرادات فردية وجماعية إما تُفعّل طاقات العقل أو تُعطّلها.
إن ما يميّز البشر عن بعضهم ليس عقولهم، بل قدرتهم على توظيف هذه العقول. فالعقل أداة، وليس محركًا ذاتيًا، وما لم تتوافر الإرادة السياسية والعزيمة الفردية والبنية الحاضنة للمعرفة، فإن أذكى العقول سوف تذبل، تمامًا كما تزدهر العقول العادية حين تُزرع في تربة خصبة.
كلنا، عربًا وغير عرب، نقترف الأخطاء المعرفية نفسها وكلنا نحمل الانحيازات ذاتها وكلنا قادرون على الإبداع إذا توافرت شروط النمو في الحرية المسؤولة والمحاسبة العادلة والتعليم الجاد واحترام قيمة العمل والمعرفة، وقبل ذلك كله توافر الإرادة الفردية والعزيمة الذاتية.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن اختزال التراجع الحضاري العربي في “عقلٍ معطوب” لا يُعدّ تفسيرًا علميًا بقدر ما هو هروب من مواجهة الأسباب الحقيقية. فبدل أن يُسهم هذا الخطاب في النهوض، ساهم، عن غير قصد، في تكريس جلد الذات وتبرير العجز واستنساخ نموذجٍ غربي مُبسَّط لا يعكس تعقيد التجربة الإنسانية. إن النهضة لا تبدأ بتغيير العقل، بل بتغيير الشروط التي يعمل بمقتضاها هذا العقل. وحين تتغيّر الشروط يتغيّر الأداء لأن الإنسان، حيثما كان، يزهر متى ما أُتيح له أن يزهر وذلك شريطة أن يقوم بتفعيل ذاتي لإرادته، هو في حقيقة الامر، القادح الرئيس لزناد عبقريته وابداعه.

أضف تعليق