ومن الرزقِ ما هو مسبَّبٌ بأسباب ومنه ما يؤتيه اللهُ من دونِ أسباب

فصَّلَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم الآلياتِ التي يُستحصَلُ الرزقُ بمقتضاها. فلقد بيَّنت آياتُ القرآن هذا الأمرَ فصنَّفته صنفَين لا ثالثَ لهما. أولى هذين الصنفين هو رزقٌ مسبَّبٌ بأسبابِه التي سبق وأن بثَّها اللهُ تعالى في الوجود وكفَّلها تسييرَ أمورِه بإذنِه. وهذا هو عين ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى:
1- (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (من 10 الجمعة).
2- (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (من 15 المُلك).
أما ثاني هذين الصنفين، فهو رزقٌ أعتقَه اللهُ فجعله محرَّراً مبرَّءاً من كلِّ سبب؛ فهو رزقٌ يؤتيه اللهُ مَن يشاءُ من عبادِه فضلاً من لدنه ورحمةً ناجزةً وفقاً لقانون “كن فيكون”. وهذا ما نتبيَّنه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى:
1- (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (من 37 آل عِمران).
2- (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (19 الشورى).
3- (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (من 2- من 3 الطلاق).
ولكن، ماذا بشأنِ آياتٍ كريمة من مثلِ قولِ اللهِ تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (96 الأعراف)؟ فهل يحقُّ لنا أن نحكمَ بأنَّ القانونَ الإلهي الذي تنطوي عليه كلماتُ اللهِ تعالى هذه هو عامٌ شاملٌ يطالُ تأثيرُه كلَّ حالةٍ دونما تقييدٍ بأسبابِ النزول؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى “وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” في هذه الآيةِ الكريمة. فتدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى هذا يُحيلنا لا محالة إلى تبيُّنِ ما ينطوي عليه من تحديدٍ للشروطِ التي قيَّد اللهُ تعالى بها تطبيقَ هذا القانون. فاللهُ تعالى يشيرُ في هذه الآيةِ الكريمة إلى الأقوامِ التي أرسلَ إليها أنبياءَه فكذبوهم فحقَّ عليهم أن يعذبهم سوءَ العذاب. ويؤيد هذه المقاربة أن نستذكرَ الحقيقةَ التي مفادها أن هذا القانون لم يطل مَن كذَّبَ رسالاتِ اللهِ تعالى في الأزمانِ التي أعقبت زمن تنزُّلِها على أنبيائه الذين أرسلهم منذرين ومبشرين. إن “خصوصيةَ” القوانين الإلهية حقيقةٌ قرآنية بالإمكانِ تبيُّنها بتدبُّرِ المواضعِ من القرآنِ التي فصَّلت هذا الأمرَ وبيَّنته واضحاً جلياً. كما ويؤكد صواب هذه المقاربة ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر وقائعِ التاريخِ وأحداثِه وظواهرِ الواقع المَعيش؛ فها نحن نرى أنَّ الذين يعصون اللهَ تعالى ليلَ نهار يرفلون في رغيدِ العيش وتتراكم عليهم الثروات الطائلة من كلِّ حدبٍ وصوب! ويكفينا أن نستذكرَ كيف بنت القوى الاستعمارية الظالمة الغاشمة لأنفسِها امبراطوريات قامت على نهبِ الشعوبِ واستغلالِها ولم تدع مظلمةً ولا موبقة إلا وارتكبتها.

أضف تعليق