وهمُ “الأفاتار” وحتميةُ الطين وحدود الخلقة البشرية

بدأ مصطلح “الأفاتار” (Avatar) في الثقافة الهندوسية ليعبر عن “نزول” الإله إلى صورة جسدية، ثم انتقل في الفكر الصوفي اليهودي (عبر مفاهيم مثل الجلجول والشخينا) ليحاول جسر الهوة بين المطلق والمادي. واليوم، يتجسد المفهوم في “الأفاتار الرقمي”، حيث يظن الإنسان المعاصر أن بإمكانه نقل وعيه وكيانه إلى “جسد ضوئي” أو “رقمي” يتجاوز حدود الزمان والمكان. غير أن هذه التصورات، عند عرضها على القرآن الكريم، تصطدم بحقيقة كونية كبرى: حتمية الخلقة الطينية وخصوصية “التمثل” للعوالم الأشد خلقاً.
يضع القرآن الكريم حدوداً واضحة للقدرات الوجودية لكل كائن بناءً على “مادة خلقه”. ففي سورة مريم، نجد أن الروح (جبريل عليه السلام) قام بفعل “التمثل”: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) وهذا التمثل ليس مجرد وهم بصري، بل هو قدرة للمخلوق النوراني “الأشد خلقاً” على تطويع مادته للظهور في صورة بشرية كاملة. وكذلك الحال مع الجن (المخلوق من نار)، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ). حيث تشير التفاسير إلى تمثل شيطان أو جني في هيئة بشرية (هيئة سليمان). هنا يتجلى القانون القرآني: الكيانات غير البيولوجية (نورانية أو نارية) تملك سيولة وجودية تسمح لها بالتشكل، لأنها بطبيعتها أخف وأشد طاقة من المادة الطينية الكثيفة.
على النقيض من الملائكة والجن، خُلق الإنسان من “طين”، وهي مادة تتسم بالثبات والثقل والمحدودية “المكانية”. يقول تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا}. هذا الضعف ليس أخلاقياً فحسب، بل هو “ضعف بنيوي” يمنع الجسد البيولوجي من مفارقة صورته أو “التمثل” في صورة أخرى سواء في حياته أو بعد مماته.
إن محاولات الفلسفات الشرقية (الهندوسية وغيرها) لتصوير “الأفاتار” كإمكانية للتجسد، أو التصورات “الرقمية” التي تُوهم الإنسان بأن “الأفاتار الإلكتروني” هو امتداد حقيقي لكيانه، ما هي إلا محاولات تخيلية لتجاوز “قدر الخلقة”. فالإنسان لا يملك “الأدوات الوجودية” التي يملكها الملائكة والجن ليتجاوز حدود خلقته البايولوجية.
والآن، كيف بإمكاننا أن نُبرز التناقض المعرفي بين الأفاتار ككيان مُتخيل وبين القرآن كنظام معرفي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
يبرز التناقض في ثلاث نقاط أساسية:
1. في المصدر: الأفاتار الهندوسي يقوم على زعم مفاده “حلول الإله في البشر”، بينما القرآن ينزه الذات الإلهية ويجعل “التمثل” فعلاً للمخلوقات (الملائكة) بأمر خالقها.
2. في القدرة: الأفاتار الرقمي المعاصر يوهم الإنسان بالسيولة، بينما القرآن يقرر أن الإنسان “أسير خلقته” ولا يملك قدرة “التمثل الخلقي” التي تتيح له أن يتمثل كياناً غير بايولوجي.
3. في المآل: يظن القائلون بتناسخ الأرواح (كالأفاتار في بعض وجوهه اليهودية/الصوفية) أن الروح تتنقل بين الأجساد، بينما يؤكد القرآن أن “البرزخ ” حاجز يمنع أي عودة أو تمثل جديد للروح البشرية في عالم المادة.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن “الأفاتار” في جوهره هو رغبة بشرية قديمة في التشبه بـ “الأشد خلقاً” (الملائكة والجن). لكن القرآن الكريم يعيد الإنسان إلى تواضعه الوجودي؛ فنحن كائنات “طينية” محكومة ببيولوجيا محددة. أما “التمثل” و”التجسد” فهما آيات خص الله بها مخلوقاته غير البيولوجية لتؤدي وظائف كونية محددة. وكل محاولة لادعاء قدرة الإنسان على فعل “الأفاتار” هي خلط بين الخيال التقني/الفلسفي وبين الحقيقة الوجودية التي جعلت من “التمثل” خاصية وجودية للملائكة، ومن “التجسد” خاصية وجودية للجن، ليس خاصية للبشر.

أضف تعليق