
يتميّز الإنسان عن سائر الكائنات البايولوجية بسمةٍ لافتة لا تخطئها العين، ولا يمكن ردّها بسهولة إلى وظائف غريزية أو آليات تكيفية صرفة؛ ألا وهي كونه كائناً شكّاءً بكّاءً متذمّراً ناقماً. فالإنسان لا يكتفي بتكبّد الألم بل يشكو منه، ولا يكتفي بمواجهة الفقد بل يعترض عليه، ولا يكتفي بتلقي ما يحدث له بل يُعمل فيه لسانه ووعيه وسخطه.
وهنا تبرز مفارقة جوهرية: لماذا يشكو الإنسان، في حين أن الحيوان، رغم ما يتعرض له من جوع وألم وخطر، لا يشكو؟ فالحيوان يتألم، لكنه لا يتذمّر. يجوع، لكنه لا يحتج. يُصاب، لكنه لا يسأل: “لماذا أنا؟”. ذلك لأن الحيوان منغمس كليًا في نظامه البايولوجي؛ أفعاله واستجاباته محكومة بمنطق الضرورة، ولا يملك مسافةً تأملية تفصله عن واقعه. الألم عنده إشارة حيوية، لا قضية وجودية. ولا يوجد في سلوكه ما يدل على اعتراض على النظام الذي أنتجه. أما الإنسان، فالألم عنده يتحوّل إلى سؤال وإلى شكوى وإلى احتجاج أخلاقي وميتافيزيقي. لا يشكو الإنسان فقط مما يحدث له، بل يشكو من الحياة ذاتها ومن المجتمع ومن الطبيعة، بل ومن الإله الذي يؤمن به ويتعبّد له بلسانه، في الوقت الذي يُكذّب فيه حاله الشاكي دعواه بالرضا والتسليم.
وهنا تبرز الأسئلة الحرجة:
• ما الذي حدث في ماضي الإنسان التطوري فجعل الشكوى جزءًا من بنيته؟
• لماذا لا يكتفي الإنسان بتغيير واقعه بدل استنزاف طاقته في التذمّر؟
• ولماذا يُحمِّل الجميع مسؤولية ما آل إليه حاله، إلا نفسه؟
لو كانت الشكوى مجرد انفعال نفسي عابر، لكان من الممكن تجاوزها بسهولة.
غير أن الواقع يدل على أنها سمة بنيوية راسخة في الإنسان، تتكرر عبر الثقافات والأزمنة والأنظمة والعقائد. فالإنسان يشكو في الغنى كما في الفقر وفي السلم كما في الحرب وفي التدين كما في الإلحاد. وهذا ما يجعل الشكوى غير قابلة للتفسير الوظيفي البسيط.
تقوم البيولوجيا التطورية على افتراض مركزي مفاده أن كل ما يستقر في الكائن الحي عبر مسيرته التطورية يحقق منفعة تكيفية، ويعزّز فرص البقاء. غير أن الشكوى الإنسانية تطرح سؤالًا مُربكًا: ما المنفعة التطورية من كائن يهدر طاقته في التذمر، بدل توجيهها إلى الفعل والتكيّف؟ فالشكوى لا تُشبع الجوع ولا تردّ الفقد ولا تغيّر الواقع ولا تمنح الكائن قدرةً أكبر على النجاة. بل على العكس، كثيرًا ما تعيق الفعل وتؤجّل المواجهة وتستنزف الطاقة النفسية.
وهنا يتكشّف العجز التفسيري للداروينية حين تُسقِط من حسابها البُعد غير البايولوجي في الإنسان.
إن الشكوى لا تبدو سلوكًا تطوريًا مُحسِّنًا، بل أثرًا جانبيًا لقطيعة ما، أو لخلل بنيوي طرأ على الكائن الإنساني في مرحلةٍ ما من تاريخه. قطيعة جعلت الإنسان واعيًا بذاته إلى حدّ الفائض ومدركًا لاحتمالات غير متحققة وقادرًا على مقارنة ما هو كائن بما “كان ينبغي أن يكون”. وهذا الوعي المفرط هو ما يحوّل الألم إلى شكوى، والواقع إلى موضع احتجاج.
والآن، يتوجب علينا ان نسأل السؤال التالي: لماذا لا يلوم الإنسان نفسه؟
لأن الاعتراف بالمسؤولية يقتضي قدرة على تحمّل الذنب واستعدادًا لتغيير الذات وتخليًا عن صورة الضحية. والإنسان، في بنيته النفسية العميقة، يفضّل أن يكون مظلومًا على أن يكون مسؤولًا. فالشكوى تمنحه عزاءً نفسيًا، وتُبقي على وهم البراءة، حتى وإن عطّلت إمكانيات النهوض.
كل هذه التناقضات تدعونا إلى إعادة النظر جذريًا في مقاربة الإنسان ضمن البايولوجيا التطورية الكلاسيكية. فلا يمكن اختزال الإنسان إلى كائن بايولوجي محض، ولا تفسير سلوكه الأعلى عبر آليات الاصطفاء الطبيعي وحدها.
نحن بحاجة إلى منظومة معرفية تطورية جديدة تُقرّ بوجود تحويلة نوعية في مسار الإنسان وتعترف بوجود جانب من ماضيه لا تغطيه الافتراضات الداروينية وتدمج البُعد النفسي والوجودي والميتافيزيقي ضمن فهمٍ أوسع للإنسان.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الإنسان ليس مجرد كائن متطور بايولوجيًا، بل كائن مختلّ التوازن، يحمل في داخله فائض وعي لم يجد له موضعًا متناغمًا في العالم.
وشكواه ليست علامة ضعف عارض، بل شاهد على مأزق وجودي عميق، لا تحله البايولوجيا وحدها، ولا تسكته وفرة الموارد، ولا تُنهيه أنظمة الرفاه. إن فهم الإنسان يقتضي الاعتراف بأن تطوره لم يكن خطًّا مستقيمًا من المنفعة، بل مسارًا معقّدًا تخللته قطيعة لا تزال آثارها تتجلى في شكواه التي لا تنتهي.
