
يتبين لنا بتدبُّرِ نظرة العهدِ القديم للنبي سليمان ما للعقلِ البشري من قدرةٍ استثنائية على ابتداعِ “حقائق” بديلة لا يجد أيَّ غضاضة في تقبُّلِها والإيمانِ بأن ليس هناك من حقيقةٍ سواها. فالحقيقةُ الدينية كما أنزلَها اللهُ تعالى تمثِّل للإنسان تحدياً لابد له، حتى يجتازَه بنجاح، من أن يُعمِلَ فيه أدواتِه “المعرفية” ليجعلَه أكثرَ توافقاً مع منطقِه الذي ليس له بالضرورة أن يتطابقَ مع المنطقِ الذي تشتمل عليه الحقائق. ولذلك تقدِّم لنا السردياتُ التفسيرية نموذجاً للحقيقةِ الإلهية أكثرَ تماهياً مع نظرتِنا البشرية إلى الوجود ولدورِنا البشري المفترَض فيه. فكلُّ الأديان الإلهية اشتملت على حقائق وجد الإنسانُ، على مرِّ العصور، نفسَه مضطراً ليُعيدَ صياغتَها وبما يجعلها، بصيغتِها الجديدة، لا تضطرُّه إلى نبذِ نظرتِه هذه إلى الكون وإلى دورِه المفترَض فيه.
ولذلك فلم يكن من غيرِ المنطقي أن تُعادَ كتابةُ سيرةِ النبي سليمان، وبالكيفيةِ التي تجعلُها أكثرَ تقبلاً لدى الجمهور، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما كان عليه من مُلكٍ عظيم وثراءٍ منقطعِ النظير. فالنبي، وفقاً للمفهومِ الشعبي، لا يُفترَضُ فيه أن يكونَ على هذا القدر من الغِنى والثراء. فما عهده الناس على الأنبياء أنهم فقراء لا يمتلكون من حطامِ الدنيا شيئاً، أما الملوك فهم الذين يكونون واسعي الثراء وأوتوا من كلِّ شيء. فما الذي سوف يخلص إليه العقل، إذا ما احتُكِم إليه وحُكِّمَ في الأمر، غير وجوبِ أن يكونَ سليمان ملكاً وليس نبياً؟ ولذلك نجد أنَّ العهدَ القديم يذكرُ سليمان على أنه ملِكٌ عظيم، فاحشُ الثراء، واسعُ المُلك. ولذلك أيضاً لا نجد في العهدِ القديم أيَّ إشارةٍ يُستدلُّ منها على أنَّ سليمان كان نبياً.
أما إذا ما التجأنا إلى القرآن، فإننا واجدون روايةً أخرى وسرديةً تختلف بالتمامِ والكلية عن سرديةِ العهد القديم. فسليمان في القرآن لم يكن نبياً فحسب، ولكنه كان من عبادِ الله الذين وصفهم بقولِه: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (30 ص). فالله تعالى امتدح سليمان في قرآنِه العظيم بقولِه إنه كان “نِعمَ العبد”. ولأنه كذلك، فلقد استحقَّ أن يمنَّ عليه اللهُ من فضلِه العظيم ما جعله أغنى ملوك الأرض على مرِّ العصور وتعاقبِ الدهور:
1- (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ. وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( (15- 17 النمل).
2- (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) (35- 36 النمل).
3- (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (35- 39 ص).
فسليمانُ إذاً قد جعلَه اللهُ نبياً وأجزلَ له العطاء فوهبَ له ما لم يُقدَّر أن يكونَ عند غيرِه، فصار ملِكاً ليس كغيرِه من الملوك. فمَن من ملوكِ الأرضِ، على مرِّ التاريخ، قد آتاه الله من عظيمِ المُلك والسلطان، والتحكُّمِ في الإنسِ والجان، ما آتاه اللهُ عبدَه سليمان؟ وهنا تتبيَّن لنا المفارقةُ الجوهرية بين سرديةِ العهدِ القديم والسرديةِ القرآنية، وذلك بمقتضى الاتساق المنطقي بين صورةِ سليمان كما وردت في القرآن وصورته المفتقرة لهذا الاتساق كما جاءنا بها العهد القديم. وهنا تبرز أمامنا واضحةً جلية مفارقةٌ أخرى يتأكد لنا بتدبُّرِها ما تتمايزُ به السرديةُ القرآنية عن سرديةِ العهدِ القديم، وذلك لأن ما عجزَ عن تصورِه كتَّابُ العهدِ القديم، من اجتماعٍ للمُلكِ والنبوة في شخصٍ واحد، هو وفقاً للقرآنِ العظيم التصورُ المنطقي أما وأنه يمثل استحقاقاً من جانبِ سليمان كافأه الله عليه بأن جعله ملِكاً نبياً من بعد ما تبيَّنَ من صدقِ عبوديتِه له.
